النفوس يجعل الفقراء محرومين،واليتامى مضيعين.ومن ثم تكرر الأمر في هذا الشأن وتكرر التحذير.وظل القرآن يعالج هذا الجشع وهذا الحرص ويخوض هذه المعركة مع الجشع والحرص في أغوار النفس ودروبها قبل الفتح وبعده على السواء.مما هو ظاهر لمن يتتبع التحذير من الربا،ومن أكل أموال الناس بالباطل،ومن أكل أموال اليتامى إسرافا وبدارا أن يكبروا!
ومن الجور على اليتيمات واحتجازهن للزواج الجائر رغبة في أموالهن! ومن نهر السائل،وقهر اليتيم،ومن حرمان المساكين ...إلى آخر هذه الحملات المتتابعة العنيفة الدالة على الكثير من ملامح البيئة.فضلا على أنها توجيهات دائمة لعلاج النفس الإنسانية في كل بيئة.وحب المال،والحرص عليه،وشح النفس به،والرغبة في احتجانه،آفة تساور النفوس مساورة عنيفة،وتحتاج للانطلاق من إسارها والتخلص من أوهاقها،والتحرر من ربقتها،إلى معارك متلاحقة،وإلى علاج طويل!
والآن وقد انتهى من تصوير الهول في مشاهد ذلك اليوم،وفي صورة ذلك العذاب فإنه يتجه إلى تصوير حقيقة النفس البشرية في مواجهة الشر والخير،في حالتي إيمانها وخلوها من الإيمان.ويقرر مصير المؤمنين كما قرر مصير المجرمين: « إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا:إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا،وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا.إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ.وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ.وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ.وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ.إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ.وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ.إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ.فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ.وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ.وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ.وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ.أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ» .
وصورة الإنسان - عند خواء قلبه من الإيمان - كما يرسمها القرآن صورة عجيبة في صدقها ودقتها وتعبيرها الكامل عن الملامح الأصيلة في هذا المخلوق والتي لا يعصمه منها ولا يرفعه عنها إلا العنصر الإيماني،الذي يصله بمصدر يجد عنده الطمأنينة التي تمسك به من الجزع عند ملاقاة الشر،ومن الشح عند امتلاك الخير.
«إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا:إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا.وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا» ..لكأنما كل كلمة لمسة من ريشة مبدعة تضع خطا في ملامح هذا الإنسان.حتى إذا اكتملت الآيات الثلاث القصار المعدودة الكلمات نطقت الصورة ونبضت بالحياة.وانتفض من خلالها الإنسان بسماته وملامحه الثابتة.
هلوعا ..جزوعا عند مس الشر،يتألم للذعته،ويجزع لوقعه،ويحسب أنه دائم لا كاشف له.ويظن اللحظة الحاضرة سرمدا مضروبا عليه ويحبس نفسه بأوهامه في قمقم من هذه اللحظة وما فيها من الشر الواقع به.فلا يتصور أن هناك فرجا ولا يتوقع من اللّه تغييرا.ومن ثم يأكله الجزع،ويمزقه الهلع.ذلك أنه لا يأوي إلى ركن ركين يشد من عزمه،ويعلق به رجاءه وأمله ..منوعا للخير إذا قدر