الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ.وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ.وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ.وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ».
إن الناس في هم شاغل،لا يدع لأحد منهم أن يتلفت خارج نفسه،ولا يجد فسحة في شعوره لغيره: «وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا» .فلقد قطع الهول المروّع جميع الوشائج،وحبس النفوس على همها لا تتعداه ..وإنهم ليعرضون بعضهم على بعض «يُبَصَّرُونَهُمْ» كأنما عمدا وقصدا! ولكن لكل منهم همه،ولكل ضمير منهم شغله.فلا يهجس في خاطر صديق أن يسأل صديقه عن حاله،ولا أن يسأله عونه.فالكرب يلف الجميع،والهول يغشى الجميع ..فما بال «الْمُجْرِمُ» ؟ إن الهول ليأخذ بحسه،وإن الرعب ليذهب بنفسه،وإنه ليود لو يفتدي من عذاب يومئذ بأعز الناس عليه،ممن كان يفتديهم بنفسه في الحياة،ويناضل عنهم،ويعيش لهم ..ببنيه.وزوجه.وأخيه،وعشيرته القريبة التي تؤويه وتحميه.بل إن لهفته على النجاة لتفقده الشعور بغيره على الإطلاق،فيود لو يفتدي بمن في الأرض جميعا ثم ينجيه ..وهي صورة للهفة الطاغية والفزع المذهل والرغبة الجامحة في الإفلات! صورة مبطنة بالهول،مغمورة بالكرب،موشاة بالفزع،ترتسم من خلال التعبير القرآني الموحي.
وبينما المجرم في هذه الحال،يتمنى ذلك المحال،يسمع ما ييئس ويقنط من كل بارقة من أمل،أو كل حديث خادع من النفس.كما يسمع الملأ جميعا حقيقة الموقف وما يجري فيه: «كَلَّا! إِنَّها لَظى .نَزَّاعَةً لِلشَّوى .تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى وَجَمَعَ فَأَوْعى » ..إنه مشهد تطير له النفس شعاعا،بعد ما أذهلها كرب الموقف وهوله .. «كَلَّا!» في ردع عن تلك الأماني المستحيلة في الافتداء بالبنين والزوج والأخ والعشيرة ومن في الأرض جميعا .. «كَلَّا! إِنَّها لَظى » نار تتلظى وتتحرق «نَزَّاعَةً لِلشَّوى » تنزع الجلود عن الوجوه والرؤوس نزعا ..وهي غول مفزعة.ذات نفس حية تشارك في الهول والعذاب عن إرادة وقصد: «تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى وَجَمَعَ فَأَوْعى » ..تدعوه كما كان يدعى من قبل إلى الهدى فيدبر ويتولى.ولكنه اليوم إذ تدعوه جهنم لا يملك أن يدبر ويتولى! ولقد كان من قبل مشغولا عن الدعوة بجمع المال وحفظه في الأوعية! فأما اليوم فالدعوة من جهنم لا يملك أن يلهو عنها.ولا يملك أن يفتدي بما في الأرض كله منها! والتوكيد في هذه السورة والسورة السابقة قبلها وفي سورة القلم كذلك على منع الخير،وعدم الحض على طعام المسكين،وجمع المال في الأوعية إلى جانب الكفر والتكذيب والمعصية ..هذا التوكيد يدل على أن الدعوة كانت تواجه في مكة حالات خاصة يجتمع فيها البخل والحرص والجشع إلى الكفر والتكذيب والضلالة.مما اقتضى تكرار الإشارة إلى هذا الأمر،والتخويف من عاقبته،بوصفه من موجبات العذاب بعد الكفر والشرك باللّه.
وفي هذه السورة إشارات أخرى تفيد هذا المعنى،وتؤكد ملامح البيئة المكية التي كانت تواجهها الدعوة.فقد كانت بيئة مشغولة بجمع المال من التجارة ومن الربا.وكان كبراء قريش هم أصحاب هذه المتاجر،وأصحاب القوافل في رحلتي الشتاء والصيف.وكان هنا لك تكالب على الثراء،وشح