والصبر الجميل هو الصبر المطمئن،الذي لا يصاحبه السخط ولا القلق ولا الشك في صدق الوعد.صبر الواثق من العاقبة،الراضي بقدر اللّه،الشاعر بحكمته من وراء الابتلاء ،الموصول باللّه المحتسب كل شيء عنده مما يقع به.
وهذا اللون من الصبر هو الجدير بصاحب الدعوة.فهي دعوة اللّه،وهي دعوة إلى اللّه.ليس له هو منها شيء.وليس له وراءها من غاية.فكل ما يلقاه فيها فهو في سبيل اللّه،وكل ما يقع في شأنها هو من أمر اللّه.
فالصبر الجميل إذن ينبعث متناسقا مع هذه الحقيقة،ومع الشعور بها في أعماق الضمير.
واللّه صاحب الدعوة التي يقف لها المكذبون،وصاحب الوعد الذي يستعجلون به ويكذبون،يقدر الأحداث ويقدر مواقيتها كما يشاء وفق حكمته وتدبيره للكون كله.ولكن البشر لا يعرفون هذا التدبير وذلك التقدير فيستعجلون.وإذا طال عليهم الأمد يستريبون.وقد يساور القلق أصحاب الدعوة أنفسهم،وتجول في خاطرهم أمنية ورغبة في استعجال الوعد ووقوع الموعود ..عندئذ يجيء مثل هذا التثبيت وهذا التوجيه من اللّه الخبير: «فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا» ..
والخطاب هنا للرسول - صلى الله عليه وسلم - تثبيتا لقلبه على ما يلقى من عنت المناوأة والتكذيب.وتقريرا للحقيقة الأخرى:وهي أن تقدير اللّه للأمور غير تقدير البشر ومقاييسه المطلقة غير مقاييسهم الصغيرة: «إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَراهُ قَرِيبًا» ..
ثم يرسم مشاهد اليوم الذي يقع فيه ذلك العذاب الواقع،الذي يرونه بعيدا ويراه اللّه قريبا.يرسم مشاهده في مجالي الكون وأغوار النفس.وهي مشاهد تشي بالهول المذهل المزلزل في الكون وفي النفس سواء: «يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ،وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ» ..
والمهل ذوب المعادن الكدر كدرديّ الزيت.والعهن هو الصوف المنتفش.والقرآن يقرر في مواضع مختلفة أن أحداثا كونية كبرى ستقع في هذا اليوم،تغير أوضاع الأجرام الكونية وصفاتها ونسبها وروابطها.ومن هذه الأحداث أن تكون السماء كالمعادن المذابة.وهذه النصوص جديرة بأن يتأملها المشتغلون بالعلوم الطبيعية والفلكية.فمن المرجح عندهم أن الأجرام السماوية مؤلفة من معادن منصهرة إلى الدرجة الغازية - وهي بعد درجة الانصهار والسيولة بمراحل - فلعلها في يوم القيامة ستنطفىء (كما قال: «وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ» ) وستبرد حتى تصير معادن سائلة! وبهذا تتغير طبيعتها الحالية وهي الطبيعة الغازية! على أية حال هذا مجرد احتمال ينفع الباحثين في هذه العلوم أن يتدبروه.أما نحن فنقف أمام هذا النص نتملى ذلك المشهد المرهوب،الذي تكون فيه السماء كذوب المعادن الكدر،وتكون فيه الجبال كالصوف الواهن المنتفش.ونتملى ما وراء هذا المشهد من الهول المذهل الذي ينطبع في النفوس،فيعبر عنه القرآن أعمق تعبير:«وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا.يُبَصَّرُونَهُمْ.يَوَدُّ