فهرس الكتاب

الصفحة 3376 من 4997

هذه السورة مكية،نزلت والمسلمون في مكة قلة مستضعفة،والمشركون هم أصحاب الحول والطول والجاه والسلطان.نزلت تضع الموازين الحقيقية للقوى والقيم،نزلت تقرر أن هناك قوة واحدة في هذا الوجود ،هي قوة اللّه وأن هناك قيمة واحدة في هذا الكون،هي قيمة الإيمان.فمن كانت قوة اللّه معه فلا خوف عليه،ولو كان مجردا من كل مظاهر القوة،ومن كانت قوة اللّه عليه فلا أمن له ولا طمأنينة ولو ساندته جميع القوى ومن كانت له قيمة الإيمان فله الخير كله،ومن فقد هذه القيمة فليس بنافعه شيء أصلا.

ومن ثم يقوم كيان السورة على قصة موسى وفرعون في البدء،وقصة قارون مع قومه - قوم موسى - في الختام ..الأولى تعرض قوة الحكم والسلطان.قوة فرعون الطاغية المتجبر اليقظ الحذر وفي مواجهتها موسى طفلا رضيعا لا حول له ولا قوة،ولا ملجأ له ولا وقاية.وقد علا فرعون في الأرض،واتخذ أهلها شيعا،واستضعف بني إسرائيل،يذبح أبناءهم،ويستحيي نساءهم،وهو على حذر منهم،وهو قابض على أعناقهم.

ولكن قوة فرعون وجبروته،وحذره ويقظته،لا تغني عنه شيئا بل لا تمكن له من موسى الطفل الصغير،المجرد من كل قوة وحيلة،وهو في حراسة القوة الحقيقية الوحيدة ترعاه عين العناية،وتدفع عنه السوء،وتعمي عنه العيون،وتتحدى به فرعون وجنده تحديا سافرا،فتدفع به إلى حجره،وتدخل به عليه عرينه،بل تقتحم به عليه قلب امرأته وهو مكتوف اليدين إزاءه،مكفوف الأذى عنه،يصنع بنفسه لنفسه ما يحذره ويخشاه!

والقصة الثانية تعرض قيمة المال،ومعها قيمة العلم.المال الذي يستخف القوم وقد خرج عليهم قارون في زينته،وهم يعلمون أنه أوتي من المال ما إن مفاتحه لتعيي العصبة من الرجال الأقوياء.والعلم الذي يعتز به قارون،ويحسب أنه بسببه وعن طريقه أوتي ذلك المال.ولكن الذين أوتوا العلم الصحيح من قومه لا تستخفهم خزائنه،ولا تستخفهم زينته بل يتطلعون إلى ثواب اللّه،ويعلمون أنه خير وأبقى.ثم تتدخل يد اللّه فتخسف به وبداره الأرض،لا يغني عنه ماله ولا يغني عنه علمه وتتدخل تدخلا مباشرا سافرا كما تدخلت في أمر فرعون،فألقته في اليم هو وجنوده فكان من المغرقين.

لقد بغى فرعون على بني إسرائيل واستطال بجبروت الحكم والسلطان ولقد بغى قارون عليهم واستطال بجبروت العلم والمال.وكانت النهاية واحدة،هذا خسف به وبداره،وذلك أخذه اليم هو وجنوده.ولم تكن هنالك قوة تعارضها من قوى الأرض الظاهرة.إنما تدخلت يد القدرة سافرة فوضعت حدا للبغي والفساد،حينما عجز الناس عن الوقوف للبغي والفساد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت