فهرس الكتاب

الصفحة 3377 من 4997

ودلت هذه وتلك على أنه حين يتمحض الشر ويسفر الفساد ويقف الخير عاجزا والصلاح حسيرا ويخشى من الفتنة بالبأس والفتنة بالمال.عندئذ تتدخل يد القدرة سافرة متحدية،بلا ستار من الخلق،ولا سبب من قوى الأرض،لتضع حد للشر والفساد [1] .

وبين القصتين يجول السياق مع المشركين جولات يبصرهم فيها بدلالة القصص - في سورة القصص - ويفتح أبصارهم على آيات اللّه المبثوثة في مشاهد الكون تارة،وفي مصارع الغابرين تارة،وفي مشاهد القيامة تارة ..

وكلها تؤكد العبر المستفادة من القصص،وتساوقها وتتناسق معها وتؤكد سنة اللّه التي لا تتخلف ولا تتبدل على مدار الزمان.وقد قال المشركون لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -: «إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا» .فاعتذروا عن عدم اتباعهم الهدى بخوفهم من تخطف الناس لهم،لو تحولوا عن عقائدهم القديمة التي من أجلها يخضع الناس لهم،ويعظمون البيت الحرام ويدينون للقائمين عليه.

فساق اللّه إليهم في هذه السورة قصة موسى وفرعون،تبين لهم أين يكون الأمن وأين تكون المخافة وتعلمهم أن الأمن إنما يكون في جوار اللّه،ولو فقدت كل أسباب الأمن الظاهرة التي تعارف عليها الناس وأن الخوف إنما يكون في البعد عن ذلك الجوار ولو تظاهرت أسباب الأمن الظاهرة التي تعارف عليها الناس! وساق لهم قصة قارون تقرر هذه الحقيقة في صورة أخرى وتؤكدها.

وعقب على مقالتهم «أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا؟ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ» ..يذكرهم بأنه هو الذي آمنهم من الخوف فهو الذي جعل لهم هذا الحرم الآمن وهو الذي يديم عليهم أمنهم،أو يسلبهم إياه ومضى ينذرهم عاقبة البطر وعدم الشكر: «وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا،وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ» .

ويخوفهم عاقبة أمرهم بعد أن أعذر إليهم وأرسل فيهم رسولا.وقد مضت سنة اللّه من قبل بإهلاك المكذبين بعد مجيء النذير: «وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا،وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ» .

(1) - سبق أن قلت في تفسير سورة طه في صفحة 2345 من الجزء السادس عشر:"إنه حين كان بنو إسرائيل يؤدون ضريبة الذل لفرعون وهو يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم لم تتدخل يد القدرة لإدارة المعركة. فهم لم يكونوا يؤدون هذه الضريبة إلا ذلا واستكانة وخوفا. فأما حين استعلن الإيمان في قلوب الذين آمنوا بموسى واستعدوا لاحتمال التعذيب،وهم مرفوعو الرؤوس يجهرون بكلمة الإيمان في وجه فرعون دون تلجلج،ودون تحرج،ودون اتقاء التعذيب. فأما عند ذلك فقد تدخلت يد القدرة لإدارة المعركة،وإعلان النصر الذي ثم قبل ذلك في الأرواح والقلوب»."

والذي قلته هنا أصح،بشهادة سياق القصة في هذه السورة. وإن كان لما قلت في سورة طه مكانه بتغيير في العبارة. فإن يد القدرة تدخلت منذ أول الأمر لإدارة المعركة. ولكن النصر النهائي لم يتم تمامه إلا بعد استعلان الإيمان في القلوب الذين آمنوا بموسى بعد رسالته،وجهروا بكلمة الحق في وجه الطغيان العاتي المتجبر." (السيد رحمه الله ) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت