فهرس الكتاب
هذه السورة التي لا تتجاوز ثماني عشرة آية،سورة جليلة ضخمة،تتضمن حقائق كبيرة من حقائق العقيدة والشريعة،ومن حقائق الوجود والإنسانية.حقائق تفتح للقلب وللعقل آفاقا عالية وآمادا بعيدة وتثير في النفس والذهن خواطر عميقة ومعاني كبيرة وتشمل من مناهج التكوين والتنظيم،وقواعد التربية والتهذيب،ومبادئ التشريع والتوجيه،ما يتجاوز حجمها وعدد آياتها مئات المرات! وهي تبرز أمام النظر أمرين عظيمين للتدبر والتفكير.
وأول ما يبرز للنظر عند مطالعة السورة،هو أنها تكاد تستقل بوضع معالم كاملة،لعالم رفيع كريم نظيف سليم متضمنة القواعد والأصول والمبادئ والمناهج التي يقوم عليها هذا العالم والتي تكفل قيامه أولا،وصيانته أخيرا ..عالم يصدر عن اللّه،ويتجه إلى اللّه،ويليق أن ينتسب إلى اللّه ..عالم نقي القلب،نظيف المشاعر،عف اللسان،وقبل ذلك عف السريرة ..عالم له أدب مع اللّه،وأدب مع رسوله،وأدب مع نفسه،وأدب مع غيره.أدب في هواجس ضميره،وفي حركات جوارحه.وفي الوقت ذاته له شرائعه المنظمة لأوضاعه ،وله نظمه التي تكفل صيانته.وهي شرائع ونظم تقوم على ذلك الأدب،وتنبثق منه،وتتسق معه فيتوافى باطن هذا العالم وظاهره،وتتلاقى شرائعه ومشاعره،وتتوازن دوافعه وزواجره وتتناسق أحاسيسه وخطاه،وهو يتجه ويتحرك إلى اللّه ..ومن ثم لا يوكل قيام هذا العالم الرفيع الكريم النظيف السليم وصيانته،لمجرد أدب الضمير ونظافة الشعور ولا يوكل كذلك لمجرد التشريع والتنظيم.بل يلتقي هذا بذلك في انسجام وتناسق.كذلك لا يوكل لشعور الفرد وجهده،كما لا يترك لنظم الدولة وإجراءاتها.بل يلتقي فيه الأفراد بالدولة،والدولة بالأفراد وتتلاقى واجباتهما ونشاطهما في تعاون واتساق.
هو عالم له أدب مع اللّه،ومع رسول اللّه.يتمثل هذا الأدب في إدراك حدود العبد أمام الرب،والرسول الذي يبلغ عن الرب: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ،وَاتَّقُوا اللَّهَ،إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» ..
فلا يسبق العبد المؤمن إلهه في أمر أو نهي،ولا يقترح عليه في قضاء أو حكم ولا يتجاوز ما يأمر به وما ينهى عنه ولا يجعل لنفسه إرادة أو رأيا مع خالقه ..تقوى منه وخشية،وحياء منه وأدبا ..وله أدب خاص فيه خطاب رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وتوقيره:«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ،وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ،أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ.إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى،لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ.إِنَّ