ثم يستطرد السياق مرة أخرى إلى مقولة منكرة من مقولات المشركين.ذلك حين يقول المشركون من العرب:الملائكة بنات اللّه.والمشركون من اليهود:عزيز ابن اللّه.والمشركون من النصارى:المسيح ابن اللّه ..فينتفض الكون كله لهذه القولة المنكرة التي تنكرها فطرته،وينفر منها ضميره:
«وَقالُوا:اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا.لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا.تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا،أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا،وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا» ..
إن جرس الألفاظ وإيقاع العبارات ليشارك ظلال المشهد في رسم الجو:جو الغضب والغيرة والانتفاض! وإن ضمير الكون وجوارحه لتنتفض،وترتعش وترجف من سماع تلك القولة النابية،والمساس بقداسة الذات العلية،كما ينتفض كل عضو وكل جارحة عند ما يغضب الإنسان للمساس بكرامته أو كرامة من يحبه ويوقره ..هذه الانتفاضة الكونية للكلمة النابية تشترك فيها السماوات والأرض والجبال.والألفاظ بإيقاعها ترسم حركة الزلزلة والارتجاف.
وما تكاد الكلمة النابية تنطلق: «وَقالُوا:اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا» حتى تنطلق كلمة التفظيع والتبشيع:
«لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا» ثم يهتز كل ساكن من حولهم ويرتج كل مستقر،ويغضب الكون كله لبارئه.وهو يحس بتلك الكلمة تصدم كيانه وفطرته وتجافي ما وقر في ضميره وما استقر في كيانه وتهز القاعدة التي قام عليها واطمأن إليها: «تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا.أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا.وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا» ..
وفي وسط الغضبة الكونية يصدر البيان الرهيب: «إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا.لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا.وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا» .
إن كل من في السماوات والأرض إلا عبد يأتي معبوده خاضعا طائعا،فلا ولد ولا شريك،إنما خلق وعبيد.وإن الكيان البشري ليرتجف وهو يتصور مدلول هذا البيان .. «لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا» فلا مجال لهرب أحد ولا لنسيان أحد «وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا» فعين اللّه على كل فرد.وكل فرد يقدم وحيدا لا يأنس بأحد ولا يعتز بأحد.حتى روح الجماعة ومشاعر الجماعة يجرد منها،فإذا هو وحيد فريد أمام الديان.وفي وسط هذه الوحدة والوحشة والرهبة،إذا المؤمنون في ظلال ندية من الود السامي:ود الرحمن: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا» ..
وللتعبير بالود في هذا الجو نداوة رخية تمس القلوب،وروح رضى يلمس النفوس.وهو ود يشيع في الملأ الأعلى،ثم يفيض على الأرض والناس فيمتلىء به الكون كله ويفيض ..
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ:يَا جِبْرِيلُ إِنِّي أُحِبُّ فُلاَنًا فَأَحِبَّهُ،قَالَ:فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ قَالَ:ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ:إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلاَنًا،قَالَ:فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ،ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ،وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ،فَقَالَ:يَا