فهرس الكتاب
والفول وكثير غيرها.وهذه الجراثيم تأخذ نتروجين الهواء وتحيله إلى نتروجين مركب قابل لأن يمتصه النبات وحين يموت النبات يبقى بعض هذا النتروجين المركب في الأرض.
«وهناك طريقة أخرى يدخل بها النتروجين إلى الأرض.وذلك عن طريق عواصف الرعد.وكلما ومض برق خلال الهواء،وحد بين قدر قليل من الأكسجين وبين النتروجين،فيسقطه المطر إلى الأرض كنتروجين مركب » [1] (أي في الصورة التي يستطيع النبات امتصاصها لأنه لا يقدر على امتصاص النتروجين الخالص من الهواء ونسبته فيه حوالي 78 كما أسلفنا) .
والأرزاق المخبوءة في جوف الأرض من معادن جامدة وسائلة كلها ترجع إلى طبيعة تكوين الأرض والأحوال التي لابستها.ولا نطيل شرحها.فالرزق في ضوء هذه البيانات السريعة أوسع مدلولا مما يفهمه الناس من هذا اللفظ.وأعمق أسبابا في تكوين الأرض ذاتها وفي تصميم الكون كله.وحين يأذن اللّه للناس في الأكل منه،فهو يتفضل بتسخيره لهم وتيسير تناوله كما يمنح البشر القدرة على تناولها والانتفاع بها: «فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ» ..
وهو محدود بزمن مقدر في علم اللّه وتدبيره زمن الابتلاء بالموت والحياة،وبكل ما يسخره اللّه للناس في هذه الحياة.فإذا انقضت فترة الابتلاء كان الموت وكان ما بعده: «وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» ..
إليه ..وإلّا فإلى أين إن لم يكن إليه؟ والملك بيده؟ ولا ملجأ منه إلا إليه؟ وهو على كل شيء قدير؟
والآن - وبينما هم في هذا الأمان على ظهر الأرض الذلول،وفي هذا اليسر الفائض بإذن اللّه وأمره ..الآن يهز هذه الأرض الساكنة من تحت أقدامهم هزا ويرجها رجا فإذا هي تمور.ويثير الجو من حولهم فإذا هو حاصب يضرب الوجوه والصدور ..يهز هذه الأرض في حسهم ويثير هذا الحاصب في تصورهم،لينتبهوا من غفلة الأمان والقرار،ويمدوا بأبصارهم إلى السماء وإلى الغيب،ويعلقوا قلوبهم بقدر اللّه: «أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ؟ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا؟ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ! وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ.فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ؟» ..والبشر الذين يعيشون على ظهر هذه الدابة الذلول،ويحلبونها فينالون من رزق اللّه فيها نصيبهم المعلوم! يعرفون كيف تتحول إلى دابة غير ذلول ولا حلوب،في بعض الأحيان،عند ما يأذن اللّه بأن تضطرب قليلا فيرتج كل شيء فوق ظهرها أو يتحطم! ويمور كل ما عليها ويضطرب فلا تمسكه قوة ولا حيلة.ذلك عند الزلازل والبراكين،التي تكشف عن الوحش الجامح،الكامن في الدابة الذلول،التي يمسك اللّه بزمامها فلا تثور إلا بقدر،ولا تجمح إلا ثواني معدودات يتحطم فيها كل ما شيد الإنسان
(1) - المصدر نفسه ص 76 - 77. ( السيد رحمه الله )