فهرس الكتاب

الصفحة 4500 من 4997

على ظهرها أو يغوص في جوفها عند ما تفتح أحد أفواهها وتخسف كسفة منها ..وهي تمور ..البشر ولا يملكون من هذا الأمر شيئا ولا يستطيعون.

وهم يبدون في هول الزلزال والبركان والخسف كالفئران الصغيرة محصورة في قفص الرعب،من حيث كانت آمنة لاهية غافلة عن القدرة الكبرى الممسكة بالزمام! والبشر كذلك يشهدون العواصف الجامحة الحاصبة التي تدمر وتخرب،وتحرق وتصعق.وهم بإزائها ضعاف عاجزون،بكل ما يعلمون وما يعملون.والعاصفة حين تزأر وتضرب بالحصى الحاصب،وتأخذ في طريقها كل شيء في البر أو البحر أو الجو يقف الإنسان أمامها صغيرا هزيلا حسيرا حتى يأخذ اللّه بزمامها فتسلس وتلين! والقرآن يذكر البشر الذين يخدعهم سكون الدابة وسلامة مقادتها،ويغريهم الأمان بنسيان خالقها ومروضها.

يذكرهم بهذه الجمحات التي لا يملكون من أمرها شيئا.والأرض الثابتة تحت أقدامهم ترتج وتمور،وتقذف بالحمم وتفور.والريح الرخاء من حولهم تتحول إلى إعصار حاصب لا تقف له قوة في الأرض من صنع البشر،ولا تصده عن التدمير ..يحذرهم وينذرهم في تهديد يرج الأعصاب ويخلخل المفاصل. «فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ» !!! ويضرب لهم الأمثلة من واقع البشرية،ومن وقائع الغابرين المكذبين: «وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ،فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ؟» ..

والنكير الإنكار وما يتبعه من الآثار،ولقد أنكر اللّه ممن كذبوا قبلهم أن يكذبوا.وهو يسألهم: «فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ؟» وهم يعلمون كيف كان،فقد كانت آثار الدمار والخراب تصف لهم كيف كان هذا النكير! وكيف كان ما أعقبه من تدمير! والأمان الذي ينكره اللّه على الناس،هو الأمان الذي يوحي بالغفلة عن اللّه وقدرته وقدره،وليس هو الاطمئنان إلى اللّه ورعايته ورحمته.فهذا غير ذاك.فالمؤمن يطمئن إلى ربه،ويرجو رحمته وفضله.ولكن هذا لا يقوده إلى الغفلة والنسيان والانغمار في غمرة الأرض ومتاعها،إنما يدعوه إلى التطلع الدائم،والحياء من اللّه،والحذر من غضبه،والتوقي من المخبوء في قدره،مع الإخبات والاطمئنان.

عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهَا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مُسْتَجْمِعًا ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ - قَالَتْ - وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ ذَلِكَ فِى وَجْهِهِ.فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَى النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْغَيْمَ فَرِحُوا.رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عَرَفْتُ فِى وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةَ قَالَتْ فَقَالَ « يَا عَائِشَةُ مَا يُؤَمِّنُنِى أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ فَقَالُوا (هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا) » [1] .

فهذا هو الإحساس اليقظ الدائم باللّه وقدره،وبما قصه القرآن من هذا في سيره.وهو لا ينافي الاطمئنان إلى رحمة اللّه وتوقع فضله.ثم هو إرجاع جميع الأسباب الظاهرة إلى السبب الأول.ورد الأمر بحاله

(1) - صحيح البخارى- المكنز [16 /118] (4828 ) وصحيح مسلم- المكنز [5 /500] ( 2123 )

اللهوات:جمع اللهاة وهى اللحمة المعلقة في أصل الحنك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت