..وبمثل هذا الحسم ينبغي أن يدرك المسلم موقفه،فلا يتلجلج ولا يتردد ولا يتحير بين شتى السبل وشتى الاتجاهات.
إنه ليست هنالك مناهج متعددة للمؤمن أن يختار واحدا منها،أو يخلط واحدا منها بواحد ..كلا! إنه من لا يدخل في السلم بكليته،ومن لا يسلم نفسه خالصة لقيادة اللّه وشريعته،ومن لا يتجرد من كل تصور آخر ومن كل منهج آخر ومن كل شرع آخر ..إن هذا في سبيل الشيطان،سائر على خطوات الشيطان ..
ليس هنالك حل وسط،ولا منهج بين بين،ولا خطة نصفها من هنا ونصفها من هناك! إنما هناك حق وباطل.هدى وضلال.إسلام وجاهلية.منهج اللّه أو غواية الشيطان.واللّه يدعو المؤمنين في الأولى إلى الدخول في السلم كافة ويحذرهم في الثانية من اتباع خطوات الشيطان.ويستجيش ضمائرهم ومشاعرهم،ويستثير مخاوفهم بتذكير هم بعداوة الشيطان لهم،تلك العداوة الواضحة البينة،التي لا ينساها إلا غافل.والغفلة لا تكون مع الإيمان.
ثم يخوفهم عاقبة الزلل بعد البيان: «فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» ..
وتذكيرهم بأن اللّه «عَزِيزٌ» يحمل التلويح بالقوة والقدرة والغلبة،وأنهم يتعرضون لقوة اللّه حين يخالفون عن توجيهه ..وتذكير هم بأنه «حَكِيمٌ» ..فيه إيحاء بأن ما اختاره لهم هو الخير،وما نهاهم هو الشر،وأنهم يتعرضون للخسارة حين لا يتبعون أمره ولا ينتهون عما نهاهم عنه ..فالتعقيب بشطريه يحمل معنى التهديد والتحذير في المقام ..
بعد ذلك يتخذ السياق أسلوبا جديدا في التحذير من عاقبة الانحراف عن الدخول في السلم واتباع خطوات الشيطان.فيتحدث بصيغة الغيبة بدلا من صيغة الخطاب: «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ؟،وَقُضِيَ الْأَمْرُ،وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ» ....وهو سؤال استنكاري عن علة انتظار المترددين المتلكئين الذين لا يدخلون في السلم كافة.ما الذي يقعد بهم عن الاستجابة؟ وماذا يرتقبون؟ تراهم سيظلون ويتلكأون حتى يأتيهم اليوم الرعيب الموعود،الذي قال اللّه سبحانه:إنه سيأتي فيه في ظلل من الغمام،ويأتي الملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا؟
وفجأة - وبينما نحن أمام السؤال الاستنكاري الذي يحمل طابع التهديد الرعيب - نجد أن اليوم قد جاء،وأن كل شيء قد انتهى،وأن القوم أمام المفاجأة التي كان يلوح لهم بها ويخوفهم إياها: «وَقُضِيَ الْأَمْرُ» .
وطوي الزمان،وأفلتت الفرصة،وعزت النجاة،ووقفوا وجها لوجه أمام اللّه الذي ترجع إليه وحده الأمور: «وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ» ..