هذه السورة واحدة من الإيقاعات العميقة الهادئة.الباعثة إلى التأمل والتدبر،وإلى الرجاء والتطلع،وإلى المخافة والتوجس،وإلى عمل الحساب ليوم الحساب! وهي تطوّف بالقلب البشري في مجالين هائلين:مجال الآخرة وعالمها الواسع،ومشاهدها المؤثرة.ومجال الوجود العريض المكشوف للنظر،وآيات اللّه المبثوثة في خلائقه المعروضة للجميع.ثم تذكرهم بعد هاتين الجولتين الهائلتين بحساب الآخرة،وسيطرة اللّه،وحتمية الرجوع إليه في نهاية المطاف ..كل ذلك في أسلوب عميق الإيقاع،هادئ،ولكنه نافذ.رصين ولكنه رهيب!
[سورة الغاشية (88) :الآيات 1 إلى 26]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (1) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (2) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (3) تَصْلى نارًا حامِيَةً (4) تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (5) لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ (6) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (8) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (9) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (10) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (11) فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (12) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (14) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16) أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22) إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (24) إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (26)
«هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ؟» ..
بهذا المطلع تبدأ السورة التي تريد لترد القلوب إلى اللّه،ولتذكرهم بآياته في الوجود،وحسابه في الآخرة وجزائه الأكيد.وبهذا الاستفهام الموحي بالعظمة الدال على التقرير الذي يشير في الوقت ذاته إلى أن أمر الآخرة مما سبق به التقرير والتذكير.وتسمى القيامة هذا الاسم الجديد: «الْغاشِيَةِ» ..أي الداهية التي تغشى الناس وتغمرهم بأهوالها.وهو من الأسماء الجديدة الموحية التي وردت في هذا الجزء ..الطامة ..الصاخة ..الغاشية ..القارعة ..مما يناسب طبيعة هذا الجزء المعهودة.
وهذا الخطاب: «هَلْ أَتاكَ ..؟» كان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يحس وقع توجيهه إلى شخصه،حيثما سمع هذه السورة،وكأنما يتلقاه أول مرة مباشرة من ربه،لشدة حساسية قلبه بخطاب اللّه - سبحانه -