وإن هذا ليخطر بالبال صور العازفين المصفقين الصاخبين الممرغين خدودهم على الأعتاب والمقامات اليوم في كثير من البلاد التي يسمونها «بلاد المسلمين» ! إنها الجاهلية تبرز في صورة من صورها الكثيرة. بعد ما برزت في صورتها الواضحة الكبيرة:صورة ألوهية العبيد في الأرض،وحاكميتهم في حياة الناس .. وإذا وقعت هذه فكل صور الجاهلية الأخرى إنما هي تبع لها،وفرع منها! «فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ» ..
وهو ذلك العذاب الذي نزل بهم في بدر بأيدي العصبة المسلمة. فأما العذاب الذي طلبوه - عذاب الاستئصال المعروف - فهو مؤجل عنهم،رحمة من اللّه بهم،وإكراما لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ومقامه فيهم،عسى أن ينتهي بهم الأمر إلى التوبة والاستغفار مما هم فيه.
والكفار ينفقون أموالهم ليتعاونوا على الصد عن سبيل اللّه .. هكذا فعلوا يوم بدر،على نحو ما ذكرنا في سياق الحديث عن الموقعة من كتب السيرة .. وهكذا ظلوا بعد بدر يستعدون للوقعة التالية. واللّه ينذرهم بالخيبة فيما يبغون وبالحسرة على ما ينفقون،ويعدهم الهزيمة في الدنيا وعذاب جهنم في الآخرة: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ. لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ،فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا،فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ،أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ» ..
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ،قَالَ:قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ ،وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ،وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ،وَالْحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ،وَغَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَائِنَا ،كُلٌّ قَدْ حَدَّثَ بَعْضَ الْحَدِيثِ ،عَنْ يَوْمِ أُحُدٍ ،وَقَدِ اجْتَمَعَ حَدِيثُهُمْ فِيمَا سُقْتُ ،قَالُوا:لَمَّا أُصِيبَتْ قُرَيْشٌ يَوْمَ بَدْرٍ ،وَرَجَعَ فَلُّهُمْ إِلَى مَكَّةَ ،وَرَجَعَ أَبُو سُفْيَانَ بِعِيرِهِ ،مَشَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ ،وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ ،وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ ،فِي رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ ،فَكَلَّمُوا أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَمَنْ كَانَتْ لَهُ فِي تِلْكَ الْعِيرِ مِنْ قُرَيْشٍ تِجَارَةٌ ،فَقَالُوا:يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ،إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ وَتَرَكُمْ وَقَتَلَ خِيَارَكُمْ ،فَأَعِينُونَا بِهَذَا الْمَالِ عَلَى حَرْبِهِ ،لَعَلَّنَا أَنْ نُدْرِكَ مِنْهُ ثَأْرًا مِمَّنْ أَصَابَ مِنَّا ،فَفَعَلُوا ،فَفِيهِمْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ:إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ . فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ لِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِأَحَابِيشِهَا وَمَنْ أَطَاعَهَا مِنْ بَنِي كِنَانَةَ وَأَهْلِ تِهَامَةَ ،خَرَجُوا مَعَهُمْ بِالظَّعِينِ الْتِمَاسَ الْحَفِيظَةَ وَأَنْ لَا يَفِرُّوا ،فَخَرَجُوا حَتَّى نَزَلُوا يَعْنِينَ بِبَطْنِ السَّبَخَةِ عَلَى شَفِيرِ وَادٍ مِمَّا يَلِي الْمَدِينَةَ . فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَالْمُسْلِمُونَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِلْمُسْلِمِينَ:"إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ بَقَرًا تُذْبَحُ ،وَأَوَّلْتُهَا خَيْرًا ،وَرَأَيْتُ فِيَ ذُؤَابَةِ سَيْفِي ثَلْمًا ،وَرَأَيْتُ أَنِّيَ أَدْخَلْتُ يَدِي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ ،فَأَوَّلْتُهَا الْمَدِينَةَ . فَإِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُقِيمُوا بِالْمَدِينَةِ وَتَدَعُوهُمْ حَيْثُ نَزَلُوا ،فَإِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بِشَرِّ مُقَامٍ ،وَإِنْ هُمْ دَخَلُوا عَلَيْنَا قَاتَلْتُمُوهُمْ فِيهَا". قَالَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ أَكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِالشَّهَادَةِ يَوْمَ أُحُدٍ