يعجبكم القرآن،ولم تكن تعجبكم التوراة فإن كان عندكم من كتب اللّه ما هو أهدى من التوراة والقرآن فأتوا به أتبعه: «قُلْ:فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ.إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» ! وهذه نهاية الإنصاف،وغاية المطاولة بالحجة،فمن لم يجنح إلى الحق بعد هذا فهو ذو الهوى المكابر،الذي لا يستند إلى دليل: «فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ،فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ.وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ؟ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» ..
إن الحق في هذا القرآن لبين وإن حجة هذا الدين لواضحة،فما يتخلف عنه أحد يعلمه إلا أن يكون الهوى هو الذي يصده.وإنهما لطريقان لا ثالث لهما:إما إخلاص للحق وخلوص من الهوى،وعندئذ لا بد من الإيمان والتسليم.وإما مماراة في الحق واتباع للهوى فهو التكذيب والشقاق.ولا حجة من غموض في العقيدة،أو ضعف في الحجة،أو نقص في الدليل.كما يدعي أصحاب الهوى المغرضون.
«فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ» ..وهكذا جزما وقطعا.كلمة من اللّه لا راد لها ولا معقب عليها ..إن الذين لا يستجيبون لهذا الدين مغرضون غير معذورين.متجنون لا حجة لهم ولا معذرة،متبعون للهوى،معرضون عن الحق الواضح: «وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ؟» ..وهم في هذا ظالمون باغون: «إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» ..
إن هذا النص ليقطع الطريق على المعتذرين بأنهم لم يفهموا عن هذا القرآن،ولم يحيطوا علما بهذا الدين.فما هو إلا أن يصل إليهم،ويعرض عليهم،حتى تقوم الحجة،وينقطع الجدل،وتسقط المعذرة.فهو بذاته واضح واضح،لا يحيد عنه إلا ذو هوى يتبع هواه،ولا يكذب به إلا متجن يظلم نفسه،ويظلم الحق البين ولا يستحق هدى اللّه. «إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» .
ولقد انقطع عذرهم بوصول الحق إليهم،وعرضه عليهم،فلم يعد لهم من حجة ولا دليل ..
«وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» ..
وحين تنتهي هذه الجولة،فيتبين منها التواؤهم ومراؤهم،يأخذ معهم في جولة أخرى تعرض عليهم صورة من استقامة الطبع وخلوص النية.تتجلى هذه الصورة في فريق من الذين أوتوا الكتاب من قبلهم،وطريقة استقبالهم للقرآن المصدق لما بين أيديهم: { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (54) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55) } [القصص:52 - 55] ..
قال سعيد بن جبير:نزلت في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشي،فلما قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ عليهم: { يس .وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ } حتى ختمها،فجعلوا يبكون وأسلموا،ونزلت فيهم هذه الآية