الأخرى: { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ.وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ } يعني:من قبل هذا القرآن كنا مسلمين،أي:موحدين مخلصين لله مستجيبين له. [1] ..
وروى قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:ثُمّ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ بِمَكّةَ،عِشْرُونَ رَجُلًا أَوْ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ النّصَارَى،حِينَ بَلَغَهُمْ خَبَرُهُ مِنْ الْحَبَشَةِ،فَوَجَدُوهُ فِي الْمَسْجِدِ فَجَلَسُوا إلَيْهِ وَكَلّمُوهُ وَسَأَلُوهُ وَرِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِي أَنْدِيَتِهِمْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ ؛ فَلَمّا فَرَغُوا مِنْ مَسْأَلَةِ رَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَمّا أَرَادُوا،دَعَاهُمْ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - إلَى اللّهِ عَزّ وَجَلّ وَتَلَا عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ .فَلَمّا سَمِعُوا كَانَ يُوصَفُ لَهُمْ فِي كِتَابِهِمْ مِنْ أَمْرِهِ .فَلَمّا قَامُوا عَنْهُ اعْتَرَضَهُمْ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ،فَقَالُوا لَهُمْ خَيّبَكُمْ اللّهُ مِنْ رَكْبٍ بَعَثَكُمْ مَنْ وَرَاءَكُمْ مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ تَرْتَادُونَ لَهُمْ لِتَأْتُوهُمْ بِخَبَرِ الرّجُلِ فَلَمْ تَطْمَئِنّ مَجَالِسُكُمْ عِنْدَهُ حَتّى فَارَقْتُمْ دِينَكُمْ وَصَدّقْتُمُوهُ بِمَا قَالَ مَا نَعْلَمُ رَكْبًا أَحْمَقَ مِنْكُمْ .أَوْ كَمَا قَالُوا .فَقَالُوا لَهُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نُجَاهِلُكُمْ لَنَا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ وَلَكُمْ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ لَمْ نَأْلُ أَنْفُسَنَا خَيْرًا"."
وَيُقَالُ إنّ النّفَرَ مِنْ النّصَارَى مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ،فَاَللّهُ أَعْلَمُ أَيّ ذَلِكَ كَانَ .فَيُقَالُ - وَاَللّهُ أَعْلَمُ - فِيهِمْ نَزَلَتْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتُ { الّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنّا بِهِ إِنّهُ الْحَقّ مِنْ رَبّنَا إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ } إلَى قَوْلِهِ { لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:وَقَدْ سَأَلْت ابْنَ شِهَابٍ الزّهْرِيّ عَنْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ فِيمَنْ أُنْزِلْنَ فَقَالَ لِي:مَا أَسْمَعُ مِنْ عُلَمَائِنَا أَنّهُنّ أُنْزِلْنَ فِي النّجَاشِيّ وَأَصْحَابِهِ .وَالْآيَةُ مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ مِنْ قَوْلِهِ { ذَلِكَ بِأَنّ مِنْهُمْ قِسّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ } إلَى قَوْلِهِ { فَاكْتُبْنَا مَعَ الشّاهِدِينَ } [2]
وأيا من كان الذين نزلت في أمرهم هذه الآيات،فالقرآن يرد المشركين إلى حادث وقع،يعلمونه ولا ينكرونه.كي يقفهم وجها لوجه أمام نموذج من النفوس الخالصة كيف تتلقى هذا القرآن،وتطمئن إليه،وترى فيه الحق،وتعلم مطابقته لما بين أيديها من الكتاب.ولا يصدها عنه صاد من هوى ولا من كبرياء وتحتمل في سبيل الحق الذي آمنت به ما يصيبها من أذى وتطاول من الجهلاء،وتصبر على الحق في وجه الأهواء ووجه الإيذاء. «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ» ..
وهذه إحدى الآيات على صحته،فالكتاب كله من عند اللّه،فهو متطابق،من أوتي أوله عرف الحق في آخره،فاطمأن له،وآمن به،وعلم أنه من عند اللّه الذي نزل الكتاب كله. «وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا:آمَنَّا بِهِ.إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا.إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ» ..فهو من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى أكثر من تلاوته فيعرف الذين عرفوا الحق من قبل أنه من ذلك المعين،وأنه صادر من ذلك المصدر الواحد الذي لا يكذب. «إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا» .. «إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ» .
(1) -تفسير ابن كثير-دار طيبة [6 /244]
(2) -سيرة ابن هشام [1 /391] وتفسير ابن كثير-دار طيبة [6 /245]