والإسلام للّه هو دين المؤمنين بكل دين.هؤلاء الذين أسلموا للّه من قبل،ثم صدقوا بالقرآن بمجرد سماعه: «أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا» ..
الصبر على الإسلام الخالص.إسلام القلب والوجه.ومغالبة الهوى والشهوة.والاستقامة على الدين في الأولى والآخرة.أولئك يؤتون أجرهم مرتين،جزاء على ذلك الصبر،وهو عسير على النفوس،وأعسر الصبر ما كان على الهوى والشهوة والالتواء والانحراف.وهؤلاء صبروا عليها جميعا،وصبروا على السخرية والإيذاء كما سبقت الرواية،وكما يقع دائما للمستقيمين على دينهم في المجتمعات المنحرفة الضالة الجاهلة في كل زمان ومكان: «وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ» ..
وهذا هو الصبر كذلك.وهو أشد مؤنة من مجرد الصبر على الإيذاء والسخرية.إنه الاستعلاء على كبرياء النفس،ورغبتها في دفع السخرية،ورد الأذى،والشفاء من الغيظ،والبرد بالانتقام! ثم درجة أخرى بعد ذلك كله.درجة السماحة الراضية.التي ترد القبيح بالجميل وتقابل الجاهل الساخر بالطمأنينة والهدوء وبالرحمة والإحسان وهو أفق من العظمة لا يبلغه إلا المؤمنون الذين يعاملون اللّه فيرضاهم ويرضونه،فيلقون ما يلقون من الناس راضين مطمئنين.
«وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ» ..وكأنما أراد أن يذكر سماحة نفوسهم بالمال،عقب ذكره لسماحة نفوسهم بالإحسان.فهما من منبع واحد:منبع الاستعلاء على شهوة النفس،والاعتزاز بما هو أكبر من قيم الأرض.الأولى في النفس،والثانية في المال.وكثيرا ما يردان متلازمين في القرآن.
وصفة أخرى من صفة النفوس المؤمنة الصابرة على الإسلام الخالصة للعقيدة: «وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ،وَقالُوا:لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ.سَلامٌ عَلَيْكُمْ.لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ» ..
واللغو فارغ الحديث،الذي لا طائل تحته،ولا حاصل وراءه.وهو الهذر الذي يقتل الوقت دون أن يضيف إلى القلب أو العقل زادا جديدا،ولا معرفة مفيدة.وهو البذيء من القول الذي يفسد الحس واللسان،سواء:أوجه إلى مخاطب أم حكي عن غائب.
والقلوب المؤمنة لا تلغو ذلك اللغو،ولا تستمع إلى ذاك الهذر،ولا تعنى بهذا البذاء.فهي مشغولة بتكاليف الإيمان،مرتفعة بأشواقه،متطهرة بنوره: «وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ» ..
ولكنهم لا يهتاجون ولا يغتاظون ولا يجارون أهل اللغو فيردون عليهم بمثله،ولا يدخلون معهم في جدل حوله،لأن الجدل مع أهل اللغو لغو إنما يتركونهم في موادعة وسلام.
« وَقالُوا:لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ.سَلامٌ عَلَيْكُمْ» ..هكذا في أدب،وفي دعاء بالخير،وفي رغبة في الهداية ..مع عدم الرغبة في المشاركة: «لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ» ..ولا نريد أن ننفق معهم وقتنا الثمين،ولا أن نجاريهم في لغوهم أو نسمع إليه صامتين!.
إنها صورة وضيئة للنفس المؤمنة المطمئنة إلى إيمانها.تفيض بالترفع عن اللغو.كما تفيض بالسماحة والود.وترسم لمن يريد أن يتأدب بأدب اللّه طريقه واضحا لا لبس فيه.فلا مشاركة للجهال،ولا