فهرس الكتاب

الصفحة 1839 من 4997

أن يدخلوا بابها سجدا،إعلان للخضوع للّه في ساعة النصر والاستعلاء - وذلك كما دخل رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - مكة في عام الفتح ساجدا على ظهر دابته [1] - وفي مقابل طاعة الأمر يعدهم اللّه أن يغفر لهم خطيئاتهم وأن يزيد للمحسنين في حسناتهم .. فإذا فريق منهم يبدلون صيغة الدعاء التي أمروا بها،ويبدلون الهيئة التي كلفوا أن يدخلوا عليها .. لماذا؟ تلبية للانحراف الذي يلوي نفوسهم عن الاستقامة: «فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ» ..

عندئذ يرسل اللّه عليهم من السماء عذابا .. السماء التي تنزل عليهم منها المن والسلوى وظللهم فيها الغمام! .. «فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ» ..

وهكذا كان ظلم فريق منهم - أي كفرهم - ظلما لأنفسهم بما أصابهم من عذاب اللّه ..

ولا يفصل القرآن نوع العذاب الذي أصابهم في هذه المرة. لأن غرض القصة يتم بدون تعيينه. فالغرض هو بيان عاقبة المعصية عن أمر اللّه،وتحقيق النذر،ووقوع الجزاء العادل الذي لا يفلت منه العصاة.

الدرس الحادي عشر:163-167 قصة أصحاب السبت

ومرة أخرى يقع القوم في المعصية والخطيئة .. وهم في هذه المرة لا يخالفون الأمر جهرة ولكنهم يحتالون على النصوص ليفلتوا منها! ويأتيهم الابتلاء فلا يصبرون عليه،لأن الصبر على الابتلاء يحتاج إلى طبيعة متماسكة في تملك الارتفاع عن الأهواء والأطماع: « واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ. وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ:لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا؟ قالُوا:مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ،وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ. فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ،وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ. فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ:كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ. وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ،إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ» ..

يعدل السياق هنا عن أسلوب الحكاية عن ماضي بني إسرائيل،إلى أسلوب المواجهة لذراريهم التي كانت تواجه رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في المدينة .. والآيات من هنا إلى قوله تعالى:«وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ

(1) - عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ يَقُولُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى نَاقَتِهِ،وَهْوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ يُرَجِّعُ،وَقَالَ لَوْلاَ أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ حَوْلِى لَرَجَّعْتُ كَمَا رَجَّعَ".صحيح البخارى- المكنز [14 /186] ( 4281) "

وقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ:أَنّ رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمّا انْتَهَى إلَى ذِي طُوًى وَقَفَ عَلَى رَاحِلَتِهِ مُعْتَجِرًا بِشُقّةِ بُرْدٍ حِبَرَةٍ حَمْرَاءَ،وَإِنّ رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِيَضَعَ رَأْسَهُ تَوَاضُعًا لِلّهِ حِينَ رَأَى مَا أَكْرَمَهُ اللّهُ بِهِ مِنْ الْفَتْحِ حَتّى إنّ عُثْنُونَهُ لَيَكَادُ يَمَسّ وَاسِطَةَ الرّحْلِ .سيرة ابن هشام [2 /405] حسن مرسل

وعَنْ أَنَسٍ،قَالَ:"دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَذَقْنُهُ عَلَى رَحْلِهِ مُتَخَشِّعًا"دلائل النبوة للبيهقي [5 /99] (1806 ) حسن لغيره -الرحل:ما يوضع على ظهر البعير للركوب =المتخشع:الخاضع المتذلل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت