كَالْقَصْرِ.كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ.وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ!» ..اذهبوا طلقاء بعد الارتهان والاحتباس في يوم الفصل الطويل.ولكن إلى أين؟ إنه انطلاق خير منه الارتهان ..
«انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ» ..فها هو ذا أمامكم حاضر مشهود. «انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ» ..إنه ظل لدخان جهنم تمتد ألسنته في ثلاث شعب.ولكنه ظل خير منه الوهج: «لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ» ..إنه ظل خانق حار لافح.وتسميته بالظل ليست إلا امتدادا للتهكم،وتمنية بالظل تتكشف عن حر جهنم! انطلقوا.وإنكم لتعرفون إلى أين! وتعرفونها هذه التي تنطلقون إليها.فلا حاجة إلى ذكر اسمها .. « إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ.كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ» ..فالشرر يتتابع في حجم البيت من الحجر. (وقد كان العرب يطلقون كلمة القصر على كل بيت من حجر وليس من الضروري أن يكون في ضخامة ما نعهد الآن من قصور) فإذا تتابع بدا كأنه جمال صفر ترتع هنا وهناك! هذا هو الشرر فكيف بالنار التي ينطلق منها الشرر؟! وفي اللحظة التي يستغرق فيها الحس بهذا الهول،يجيء التعقيب المعهود: «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ!» .
ثم يأخذ في استكمال المشهد بعد عرض الهول المادي في صورة جهنم،بعرض الهول النفسي الذي يفرض الصمت والكظم .. «هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ.وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ» ..
فالهول هنا يكمن في الصمت الرهيب،والكبت الرعيب،والخشوع المهيب،الذي لا يتخلله كلام ولا اعتذار.فقد انقضى وقت الجدل ومضى وقت الاعتذار: «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» ! ..
الدرس الثامن:38 - 40 عجز وضعف الكفار يوم القيامة
وفي مشاهد أخرى يذكر حسرتهم وندامتهم وحلفهم ومعاذيرهم ..واليوم طويل يكون فيه هذا ويكون فيه ذاك - على ما قال ابن عباس رضي اللّه عنهما - ولكنه هنا يثبت هذه اللقطة الصامتة الرهيبة،لمناسبة في الموقف وظل في السياق: «هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ.فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ.وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ!» ..
هذا يوم الفصل لا يوم الاعتذار.وقد جمعناكم والأولين أجمعين.فإن كان لكم تدبير فدبروه،وإن كان لكم قدرة على شيء فافعلوه! ولا تدبير ولا قدرة.إنما هو الصمت الكظيم،على التأنيب الأليم .. «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ!» ..
الدرس التاسع:41 - 45 لقطات من نعيم المؤمنين في الجنة
فإذا انتهى مشهد التأنيب للمجرمين،اتجه الخطاب بالتكريم للمتقين: « إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ،وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ.كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ.وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ!» ..