كل هذه الجولات والمشاهد والإيحاءات واللمسات في سورة قصيرة لا تتجاوز عدة أسطر ..وهو ما لا يعهد إلا في هذا الكتاب العجيب! فإن هذه الأغراض يتعذر الوفاء بها في الحيز الكبير ولا تؤدى بهذه القوة وبهذا التأثير ..ولكنه القرآن ميسر للذكر يخاطب القلوب مباشرة من منافذها القريبة.صبغة العليم الخبير!
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (2) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3) وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ (4) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (5) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ (6) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُورًا (11) وَيَصْلى سَعِيرًا (12) إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14) بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا (15) فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (16) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (17) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (18) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (19) فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (21) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (22) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (23) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (24) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (25)
الدرس الأول:1 - 5 بعض مشاهد الكون في الآخرة
«إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ،وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ.وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ،وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ،وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ» ..وانشقاق السماء سبق الحديث عنه في سور سابقة.أما الجديد هنا فهو استسلام السماء لربها ووقوع الحق عليها،وخضوعها لوقع هذا الحق وطاعتها: «وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ» ..
فإذن السماء لربها:استسلامها وطاعتها لأمره في الانشقاق، «وَحُقَّتْ» ..أي وقع عليها الحق.واعترفت بأنها محقوقة لربها.وهو مظهر من مظاهر الخضوع،لأن هذا حق عليها مسلم به منها.
والجديد هنا كذلك هو مد الأرض: «وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ» ..وقد يعني هذا مط رقعتها وشكلها،مما ينشأ عن انقلاب النواميس التي كانت تحكمها،وتحفظها في هذا الشكل الذي انتهت إليه - والمقول إنه كروي أو بيضاوي - والتعبير يجعل وقوع هذا الأمر لها آتيا من فعل خارج عنها،مما يفيده بناء الفعل للمجهول: «مُدَّتْ» . « وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ» ..وهو تعبير يصور الأرض كائنة حية تلقي ما فيها وتتخلى عنه.وما فيها كثير.منه تلك الخلائق التي لا تحصى،والتي طوتها الأرض في أجيالها التي لا يعلم إلا اللّه مداها.ومنه سائر ما يختبئ في جوف الأرض من معادن ومياه وأسرار لا يعلمها إلا