قَالَ:"نَعَمْ،تَفْعَلُ الْخَيْرَاتِ، وَتَتْرُكُ السَّيِّئَاتِ، فَيَجْعَلُهُنَّ اللَّهُ لَكَ خَيْرَاتٍ كُلَّهُنَّ"، قَالَ:وَغَدَرَاتِي وَفَجَرَاتِي؟ قَالَ:"نَعَمْ"، قَالَ:اللَّهُ أَكْبَرُ، فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ حَتَّى تَوَارَى. [1] .
ويضع قاعدة التوبة وشرطها: «وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتابًا» ..فالتوبة تبدأ بالندم والإقلاع عن المعصية،وتنتهي بالعمل الصالح الذي يثبت أن التوبة صحيحة وأنها جدية.وهو في الوقت ذاته ينشئ التعويض الإيجابي في النفس للإقلاع عن المعصية.فالمعصية عمل وحركة،يجب ملء فراغه بعمل مضاد وحركة،وإلا حنت النفس إلى الخطيئة بتأثير الفراغ الذي تحسه بعد الإقلاع.وهذه لمحة في منهج التربية القرآني عجيبة،تقوم على خبرة بالنفس الإنسانية عميقة.ومن أخبر من الخالق بما خلق؟ سبحانه وتعالى!
وبعد هذا البيان المعترض يعود إلى سمات «عِبادُ الرَّحْمنِ» : «وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ،وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا» ..
وعدم شهادة الزور قد تكون على ظاهر اللفظ ومعناه القريب،أنهم لا يؤدون شهادة زور،لما في ذلك من تضييع الحقوق،والإعانة على الظلم.وقد يكون معناها الفرار من مجرد الوجود في مجلس أو مجال يقع فيه الزور بكل صنوفه وألوانه،ترفعا منهم عن شهود مثل هذه المجالس والمجالات.وهو أبلغ وأوقع.وهم كذلك يصونون أنفسهم واهتماماتهم عن اللغو والهذر: «وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا» لا يشغلون أنفسهم به،ولا يلوثونها بسماعه إنما يكرمونها عن ملابسته ورؤيته بله المشاركة فيه! فللمؤمن ما يشغله عن اللغو والهذر،وليس لديه من الفراغ والبطالة ما يدفعه إلى الشغل باللغو الفارغ،وهو من عقيدته ومن دعوته ومن تكاليفها في نفسه وفي الحياة كلها في شغل شاغل.
الدرس السادس:73 تفاعلهم مع آيات الله
ومن سماتهم أنهم سريعو التذكر إذا ذكروا،قريبو الاعتبار إذا وعظوا،مفتوحو القلوب لآيات اللّه،يتلقونها بالفهم والاعتبار: «وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْيانًا» .
وفي التعبير تعريض بالمشركين الذين ينكبون على آلهتهم وعقائدهم وأباطيلهم كالصم والعميان لا يسمعون ولا يبصرون،ولا يتطلعون إلى هدى أو نور.وحركة الانكباب على الوجوه بلا سمع ولا بصر ولا تدبر حركة تصور الغفلة والانطماس والتعصب الأعمى.فأما عباد الرحمن،فهم يدركون إدراكا واعيا بصيرا ما في عقيدتهم من حق،وما في آيات اللّه من صدق،فيؤمنوا إيمانا واعيا بصيرا،لا تعصبا أعمى ولا انكبابا على الوجوه! فإذا تحمسوا لعقيدتهم فإنما هي حماسة العارف المدرك البصير.
الدرس السابع:74 طلبهم الذرية الصالحة
(1) - المعجم الكبير للطبراني [6 /475] (7085) صحيح