آتِيَةٌ» وأنه يكاد يخفيها.فعلم الناس بها قليل لا يتجاوز ما يطلعهم عليه من أمرها بقدر ما يحقق حكمته من معرفتهم ومن جهلهم ..والمجهول عنصر أساسي في حياة البشر وفي تكوينهم النفسي.فلا بد من مجهول في حياتهم يتطلعون إليه.ولو كان كل شيء مكشوفا لهم - وهم بهذه الفطرة - لوقف نشاطهم وأسنت حياتهم.فوراء المجهول يجرون.فيحذرون ويأملون،ويجربون ويتعلمون.ويكشفون المخبوء من طاقاتهم وطاقات الكون من حولهم ويرون آيات اللّه في أنفسهم وفي الآفاق ويبدعون في الأرض بما شاء لهم اللّه أن يبدعوا ..وتعليق قلوبهم ومشاعرهم بالساعة المجهولة الموعد،يحفظهم من الشرود،فهم لا يدرون متى تأتي الساعة،فهم من موعدها على حذر دائم وعلى استعداد دائم.ذلك لمن صحت فطرته واستقام.فأما من فسدت فطرته واتبع هواه فيغفل ويجهل،فيسقط ومصيره إلى الردى: «فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى » ..ذلك أن اتباع الهوى هو الذي ينشىء التكذيب بالساعة.فالفطرة السليمة تؤمن من نفسها بأن الحياة الدنيا لا تبلغ فيها الإنسانية كمالها،ولا يتم فيها العدل تمامه وأنه لا بد من حياة أخرى يتحقق فيها الكمال المقدر للإنسان،والعدل المطلق في الجزاء على الأعمال.
هذه هي الوهلة الأولى للنداء العلوي الذي تجاوبت به جنبات الوجود وأنهى اللّه سبحانه إلى عبده المختار قواعد التوحيد.ولا بد أن موسى قد نسي نفسه ونسي ما جاء من أجله،ليتبع ذلك الصوت العلوي الذي ناداه وليسمع التوجيه القدسي الذي يتلقاه.وبينما هو مستغرق فيما هو فيه،ليس في كيانه ذرة واحدة تتلفت إلى سواه،إذا هو يتلقى سؤالا لا يحتاج منه إلى جواب: «وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ؟» ..إنها عصاه.ولكن أين هو من عصاه؟ إنما يتذكر فيجيب: «قالَ:هِيَ عَصايَ،أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى » ..والسؤال لم يكن عن وظيفة العصا في يده.إنما كان عما في يمينه.ولكنه أدرك أن ليس عن ماهيتها يسأل،فهي واضحة،إنما عن وظيفتها معه.فأجاب ..ذلك أقصى ما يعرفه موسى عن تلك العصا:أن يتوكأ عليها وأن يضرب بها أوراق الشجر لتتساقط فتأكلها الغنم - وقد كان يرعى الغنم لشعيب.وقيل:إنه ساق معه في عودته قطيعا منها كان من نصيبه.وأن يستخدمها في أغراض أخرى من هذا القبيل أجملها ولم يعددها لأن ما ذكره نموذج منها.ولكن ها هي ذي القدرة القادرة تصنع بتلك العصا في يده ما لم يخطر له على بال،تمهيدا لتكليفه بالمهمة الكبرى: «قالَ:أَلْقِها يا مُوسى .فَأَلْقاها.فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى .قالَ:خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى » :
ووقعت المعجزة الخارقة التي تقع في كل لحظة ولكن الناس لا ينتبهون إليها.وقعت معجزة الحياة.
فإذا العصا حية تسعى.وكم من ملايين الذرات الميتة أو الجامدة كالعصا تتحول في كل لحظة إلى خلية حية ولكنها لا تبهر الإنسان كما يبهره أن تتحول عصا موسى حية تسعى!