فهرس الكتاب

الصفحة 2995 من 4997

ذلك أن الإنسان أسير حواسه،وأسير تجاربه،فلا يبعد كثيرا في تصوراته عما تدركه حواسه.وانقلاب العصا حية تسعى ظاهرة حسية تصدم حسه فينتبه لها بشدة.أما الظواهر الخفية لمعجزة الحياة الأولى،ومعجزات الحياة التي تدب في كل لحظة فهي خفية قلما يلتفت إليها.وبخاصة أن الألفة تفقدها جدتها في حسه،فيمر عليها غافلا أو ناسيا.

وقعت المعجزة فدهش لها موسى وخاف: «قالَ:خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى » ونردها عصا.

والسياق هنا لا يذكر ما ذكره في سورة أخرى من أنه ولى مدبرا ولم يعقب.إنما يكتفي بالإشارة الخفيفة إلى ما نال موسى - عليه السلام - من خوف:ذلك أن ظل هذه السورة ظل أمن وطمأنينة،فلا يشوبه بحركة الفزع والجري والتولي بعيدا.

واطمأن موسى والتقط الحية،فإذا هي تعود سيرتها الأولى! عصا! ..ووقعت المعجزة في صورتها الأخرى.صورة سلب الحياة من الحي،فإذا هو جامد ميت،كما كان قبل أن تدركه المعجزة الأولى ..وصدر الأمر العلوي مرة أخرى إلى عبده موسى: «وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى » ..ووضع موسى يده تحت إبطه ..والسياق يختار للإبط والذراع صورة الجناح لما فيها من رفرفة وطلاقة وخفة في هذا الموقف المجنح الطليق من ربقة الأرض وثقلة الجسم لتخرج بيضاء لا عن مرض أو آفة.ولكن: «آيَةً أُخْرى » مع آية العصا. «لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى » فتشهد وقوعها بنفسك تحت بصرك وحسك.فتطمئن للنهوض بالتبعة الكبرى: «اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى » ..

وإلى هنا لم يكن موسى يعلم أنه منتدب لهذه المهمة الضخمة ..وإنه ليعرف من هو فرعون:فقد ربي في قصره.وشهد طغيانه وجبروته.وشاهد ما يصبه على قومه من عذاب ونكال ..وهو اللحظة في حضرة ربه.يحس الرضى والتكريم والحفاوة.فليسأله كل ما يطمئنه على مواجهة هذه المهمة العسيرة ويكفل له الاستقامة على طريق الرسالة: «قالَ:رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي.وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي.وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي.وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي،هارُونَ أَخِي.اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي،وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي.كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا.إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا» ..

لقد طلب إلى ربه أن يشرح له صدره ..وانشراح الصدر يحول مشقة التكليف إلى متعة،ويحيل عناءه لذة ويجعله دافعا للحياة لا عبئا يثقل خطى الحياة.وطلب إلى ربه أن ييسر له أمره ..وتيسير اللّه لعباده هو ضمان النجاح.وإلا فماذا يملك الإنسان بدون هذا التيسير؟ ماذا يملك وقواه محدودة وعلمه قاصر والطريق طويل وشائك ومجهول؟!.

وطلب إلى ربه أن يحل عقدة لسانه فيفقهوا قوله ..وقد روي أنه كانت بلسانه حبسة والأرجح أن هذا هو الذي عناه.ويؤيده ما ورد في سورة أخرى من قوله: «وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسانًا» .وقد دعا ربه في أول الأمر دعاء شاملا بشرح الصدر وتيسير الأمر.ثم أخذ يحدد ويفصل بعض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت