فهرس الكتاب

الصفحة 2996 من 4997

ما يعينه على أمره وييسر له تمامه.وطلب أن يعينه اللّه بمعين من أهله.هارون أخيه.فهو يعلم عنه فصاحة اللسان وثبات الجنان وهدوء الأعصاب،وكان موسى - عليه السلام - انفعاليا حاد الطبع سريع الانفعال.فطلب إلى ربه أن يعينه بأخيه يشد أزره ويقويه ويتروى معه في الأمر الجليل الذي هو مقدم عليه.

والأمر الجليل الذي هو مقدم عليه يحتاج إلى التسبيح الكثير والذكر الكثير والاتصال الكثير.فموسى - عليه السلام - يطلب أن يشرح اللّه صدره وييسر له أمره ويحل عقدة من لسانه ويعينه بوزير من أهله ..كل أولئك لا ليواجه المهمة مباشرة ولكن ليتخذ ذلك كله مساعدا له ولأخيه على التسبيح الكثير والذكر الكثير والتلقي الكثير من السميع البصير .. «إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا» ..تعرف حالنا وتطلع على ضعفنا وقصورنا وتعلم حاجتنا إلى العون والتدبير ..

لقد أطال موسى سؤله،وبسط حاجته،وكشف عن ضعفه،وطلب العون والتيسير والاتصال الكثير.وربه يسمع له،وهو ضعيف في حضرته،ناداه وناجاه.فها هوذا الكريم المنان لا يخجل ضيفه،ولا يرد سائله،ولا يبطئ عليه بالإجابة الكاملة: «قالَ:قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى » :

هكذا مرة واحدة،في كلمة واحدة.فيها إجمال يغني عن التفصيل.وفيها إنجاز لا وعد ولا تأجيل ..

كل ما سألته أعطيته.أعطيته فعلا.لا تعطاه ولاستعطاه؟ وفيها مع الإنجاز عطف وتكريم وإيناس بندائه باسمه: «يا مُوسى » وأي تكريم أكبر من أن يذكر الكبير المتعال اسم عبد من العباد؟

وإلى هنا كفاية وفضل من التكريم والعطف والإيناس.وقد طال التجلي وطال النجاء وأجيب السؤال وقضيت الحاجة ..ولكن فضل اللّه لا خازن له،ورحمة اللّه لا ممسك لها.فهو يغمر عبده بمزيد من فضله وفيض من رضاه،فيستبقيه في حضرته،ويمد في نجائه وهو يذكره بسابق نعمته،ليزيده اطمئنانا وأنسا بموصول رحمته وقديم رعايته.وكل لحظة تمر وهو في هذا المقام الوضيء هي متاع ونعمى وزاد ورصيد.

« وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى .إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى .أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ.فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ،يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ.وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي،وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي.إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ:هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ؟ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ.وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا،فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ.ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى .وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ...» .

إن موسى - عليه السلام - ذاهب لمواجهة أقوى ملك في الأرض وأطغى جبار.إنه ذاهب لخوض معركة الإيمان مع الطغيان.إنه ذاهب إلى خضم من الأحداث والمشكلات مع فرعون أول الأمر ثم مع قومه بني إسرائيل وقد أذلهم الاستعباد الطويل وأفسد فطرتهم،وأضعف استعدادهم للمهمة التي هم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت