منتدبون لها بعد الخلاص.فربه يطلعه على أنه لن يذهب غفلا من التهيؤ والاستعداد.وأنه لم يرسل إلا بعد التهيئة والإعداد.
وأنه صنع على عين اللّه منذ زمان،ودرب على المشاق وهو طفل رضيع،ورافقته العناية وسهرت عليه وهو صغير ضعيف.وكان تحت سلطان فرعون وفي متناوله وهو مجرد من كل عدة ومن كل قوة فلم تمتد إليه يد فرعون،لأن يد القدرة كانت تسنده،وعين القدرة كانت ترعاه.في كل خطاه.فلا عليه اليوم من فرعون،وقد بلغ أشده.وربه معه.قد اصطنعه لنفسه،واستخلصه واصطفاه.
«وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى » ..فالمنة قديمة ممتدة مطردة،سائرة في طريقها معك منذ زمان.فلا انقطاع لها إذن بعد التكليف الآن.لقد مننا عليك إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى،وألهمناها ما يلهم في مثل حالها ..ذلك الإلهام: « أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ» ..
حركات كلها عنف وكلها خشونة ..قذف في التابوت بالطفل.وقذف في اليم بالتابوت.وإلقاء للتابوت على الساحل ..ثم ماذا؟ أين يذهب التابوت المقذوف فيه بالطفل المقذوف في اليم الملقى به على الساحل.من يتسلمه؟ «عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ» .وفي زحمة هذه المخاوف كلها.وبعد تلك الصدمات كلها.ماذا؟ ما الذي حدث للطفل الضعيف المجرد من كل قوة؟ ما الذي جرى للتابوت الصغير المجرد من كل وقاية؟ «وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي» !!!
يا للقدرة القادرة التي تجعل من المحبة الهينة اللينة درعا تتكسر عليها الضربات وتتحطم عليه الأمواج.
وتعجز قوى الشر والطغيان كلها أن تمس حاملها بسوء ولو كان طفلا رضيعا لا يصول ولا يجول بل لا يملك أن يقول ...
إنها مقابلة عجيبة في تصوير المشهد.مقابلة بين القوى الجبارة الطاغية التي تتربص بالطفل الصغير،والخشونة القاسية فيما يحيط به من ملابسات وظروف ..والرحمة اللينة اللطيفة تحرسه من المخاوف،وتقيه من الشدائد وتلفه من الخشونة،ممثلة في المحبة لا في صيال أو نزال: «وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي» ..وما من شرح يمكن أن يضيف شيئا إلى ذلك الظل الرفيق اللطيف العميق الذي يلقيه التعبير القرآني العجيب: «وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي» وكيف يصف لسان بشري،خلقا يصنع على عين اللّه؟ إن قصارى أي بشري أن يتأمله ويتملاه ..
إنها منزلة وإنها كرامة أن ينال إنسان لحظة من العناية.فكيف بمن يصنع صنعا على عين اللّه؟ إنه بسبب من هذا أطاق موسى أن يتلقى ذلك العنصر العلوي الذي تلقاه.
ولتصنع على عيني.تحت عين فرعون - عدوك وعدوي - وفي متناول يده بلا حارس ولا مانع ولا مدافع.ولكن عينه لا تمتد إليك بالشر لأني ألقيت عليك محبة مني.ويده لا تنالك بالضر وأنت تصنع على عيني.ولم أحطك في قصر فرعون،بالرعاية والحماية وأدع أمك في بيتها للقلق والخوف.بل جمعتك بها وجمعتها بك:«إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ:هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ؟ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ