فهرس الكتاب

الصفحة 2998 من 4997

تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ» ..وكان ذلك من تدبير اللّه.إذ جعل الطفل لا يقبل ثدي المرضعات.وفرعون وزوجه وقد تبنيا الطفل الذي ألقاه اليم بالساحل - مما لا يفصله السياق كما يفصله في موضع آخر - يبحثان له عن مرضع.فيتسامع الناس وتروح أخت موسى بإيحاء من أمها تقول لهم:هل أدلكم على من يكفله؟ وتجيء لهم بأمه فيلقم ثديها.وهكذا يتم تدبير اللّه للطفل وأمه التي سمعت الإلهام فقذفت بفلذة كبدها في التابوت،وقذفت بالتابوت في اليم،فألقاه اليم بالساحل.ليأخذه عدو للّه وله،فيكون الأمن بإلقائه بين هذه المخاوف،وتكون النجاة من فرعون الذي كان يذبح أطفال بني إسرائيل.بإلقائه بين يدي فرعون بلا حارس ولا معين! ومنة أخرى: «وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ،وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى .وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي» ..ذلك حين كبر وشب في قصر فرعون،ثم نزل المدينة يوما فوجد فيها رجلين يقتتلان أحدهما إسرائيلي والآخر مصري،فاستعانه الإسرائيلي فوكز المصري بيده فخر صريعا.ولم يكن ينوي قتله إنما كان ينوي دفعه.فامتلأت نفسه بالغم على هذه الفعلة - وهو المصنوع على عين اللّه منذ نشأته وتحرج ضميره وتأثم من اندفاعه ..فربه يذكره هنا بنعمته عليه،إذ هداه إلى الاستغفار فشرح صدره بهذا ونجاه من الغم.ولم يتركه مع هذا بلا ابتلاء ليربيه ويعده لما أراد فامتحنه بالخوف والهرب من القصاص؟ وامتحنه بالغربة ومفارقة الأهل والوطن وامتحنه بالخدمة ورعي الغنم،وهو الذي تربى في قصر أعظم ملوك الأرض،وأكثرهم نزفا ومتاعا وزينة ..

وفي الوقت المقدر.عند ما نضج واستعد،وابتلي فثبت وصبر وامتحن فجاز الامتحان.وتهيأت الظروف كذلك والأحوال في مصر،وبلغ العذاب ببني إسرائيل مداه ..

في ذلك الوقت المقدر في علم اللّه جيء بموسى من أرض مدين،وهو يظن أنه هو جاء: «فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى » .جئت في الوقت الذي قدرته لمجيئك .. «وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي» خالصا مستخلصا ممحضا لي ولرسالتي ودعوتي ..ليس بك شيء من هذه الدنيا ولا لهذه الدنيا.إنما أنت للمهمة التي صنعتك على عيني لها واصطنعتك لتؤديها.فما لك في نفسك شيء.وما لأهلك منك شيء، وما لأحد فيك شيء.فامض لما اصطنعتك له: «اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي.اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى .فَقُولا لَهُ:قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى » ..

اذهب أنت وأخوك مزودين بآياتي وقد شهد منها آية العصا وآية اليد - ولا تنيا في ذكري فهو عدتكما وسلاحكما وسندكما الذي تأويان منه إلى ركن شديد ..اذهبا إلى فرعون.وقد حفظتك من شره من قبل.وأنت طفل وقد قذفت في التابوت،فقذف التابوت في اليم،فألقاه اليم بالساحل،فلم تضرك هذه الخشونة،ولم تؤذك هذه المخاوف.فالآن أنت معد مهيأ،ومعك أخوك.فلا عليك وقد نجوت مما هو أشد،في ظروف أسوأ وأعنف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت