التدبير.فيستعجلون ويقترحون.وقد يسخطون.أو يتطاولون! واللّه يعلمهم في هذا القرآن أن كل شيء بقدر ليسلموا الأمر لصاحب الأمر،وتطمئن قلوبهم وتستريح ويسيروا مع قدر اللّه في توافق وفي تناسق،وفي أنس بصحبة القدر في خطوه المطمئن الثابت الوثيق ..
ومع التقدير والتدبير،القدرة التي تفعل أعظم الأحداث بأيسر الإشارات: «وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ» ..فهي إشارة واحدة.أو كلمة واحدة يتم بها كل أمر:الجليل والصغير سواء.وليس هنالك جليل ولا صغير.إنما ذلك تقدير البشر للأشياء.وليس هنالك زمن ولا ما يعادل لمح البصر.إنما هو تشبيه لتقريب الأمر إلى حس البشر.فالزمن إن هو إلا تصور بشري ناشئ من دورة أرضهم الصغيرة،ولا وجود له في حساب اللّه المطلق من هذه التصورات المحدودة! واحدة تنشئ هذا الوجود الهائل.وواحدة تبدل فيه وتغير.وواحدة تذهب به كما يشاء اللّه.وواحدة تحيي كل حي.وواحدة تذهب به هنا وهناك.وواحدة ترده إلى الموت.وواحدة تبعثه في صورة من الصور.وواحدة تبعث الخلائق جميعا.وواحدة تجمعهم ليوم الحشر والحساب.واحدة لا تحتاج إلى جهد،ولا تحتاج إلى زمن.واحدة فيها القدرة ومعها التقدير.وكل أمر معها مقدر ميسور.
الدرس العاشر:51 - 53 هلاك الكفار في الدنيا وعذابهم في الآخرة
وبواحدة كان هلاك المكذبين على مدار القرون.وفي هذه يذكرهم بمصير أمثالهم من المكذبين: «وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ،وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ» .
فهذه مصارع المكذبين،معروضة في الحلقات التي تضمنتها السورة من قبل .. «فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟» ..
يتذكر ويعتبر؟ ولم ينته حسابهم بمصارعهم الأليمة،فوراءهم حساب لا يفلت منه شيء: «وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ» ..مسطر في الصحائف ليوم الحساب: «وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ» ..لا ينسى منه شيء وهو مسطور في كتاب!
وعند هذا الحد من العرض والتعقيب،يلتفت السياق إلى صفحة أخرى غير صفحة المكذبين.ويعرض صورة أخرى في ظل وادع أمين.صورة المتقين: «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ.فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ» ..ذلك بينما المجرمون في ضلال وسعر.يسحبون في النار على وجوههم في مهانة.ويلذعون بالتأنيب كما يلذعون بالسعير: «ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ» ..وهي صورة للنعيم بطرفيه: «فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ» . «فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ» .نعيم الحس والجوارح في تعبير جامع شامل: «فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ» يلقي ظلال النعماء واليسر حتى في لفظه الناعم المنساب ..وليس لمجرد إيقاع القافية تجيء كلمة «نَهَرٍ» بفتح الهاء.بل كذلك لإلقاء ظل اليسر والنعومة في جرس اللفظ وإيقاع التعبير!