والعظام والرفات فيها رائحة البشرية وفيها ذكرى الحياة والحديد والحجارة أبعد عن الحياة.فيقال لهم:كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا آخر أو غل في البعد عن الحياة من الحجارة والحديد مما يكبر في صدوركم أن تتصوروه وقد نفخت فيه الحياة.فسيبعثكم اللّه.
وهم لا يملكون أن يكونوا حجارة أو حديدا أو خلقا آخر ولكنه قول للتحدي.وفيه كذلك ظل التوبيخ والتقريع،فالحجارة والحديد جماد لا يحس ولا يتأثر،وفي هذا إيماء من بعيد إلى ما في تصورهم من جمود وتحجر! «فَسَيَقُولُونَ:مَنْ يُعِيدُنا» ؟
من يردنا إلى الحياة إن كنا رفاتا وعظاما،أو خلقا آخر أشد إيغالا في الموت والخمود؟ «قُلِ:الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ» ...وهو رد يرجع المشكلة إلى تصور بسيط واضح مريح.فالذي أنشأهم إنشاء قادر على أن يردهم أحياء.ولكنهم لا ينتفعون به ولا يقتنعون: «فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ» ينغضونها علوا أو سفلا،استنكارا واستهزاء: «وَيَقُولُونَ:مَتى هُوَ؟» :استبعادا لهذا الحادث واستنكارا. «قُلْ:عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا» ..فالرسول لا يعلم موعده تحديدا.ولكن لعله أقرب مما يظنون.وما أجدرهم أن يخشوا وقوعه وهم في غفلتهم يكذبون ويستهزئون! ثم يرسم مشهدا سريعا لذلك اليوم: «يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ،وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا» ..وهو مشهد يصور أولئك المكذبين بالبعث المنكرين له،وقد قاموا يلبون دعوة الداعي،وألسنتهم تلهج بحمد اللّه.ليس لهم سوى هذه الكلمة من قول ولا جواب! وهو جواب عجيب ممن كانوا ينكرون اليوم كله وينكرون اللّه،فلا يكون لهم جواب إلا أن يقولوا:الحمد للّه.الحمد للّه! ويومئذ تنطوي الحياة الدنيا كما ينطوي الظل: «وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا» .
وتصوير الشعور بالدنيا على هذا النحو يصغر من قيمتها في نفوس المخاطبين،فإذا هي قصيرة قصيرة،لا يبقى من ظلالها في النفس وصورها في الحس،إلا أنها لمحة مرت وعهد زال وظل تحول،ومتاع قليل.
ثم يلتفت السياق عن هؤلاء المكذبين بالبعث والنشور،المستهزئين بوعد اللّه وقول الرسول،المنغضين رؤوسهم المتهكمين المتهجمين ..يلتفت عنهم إلى عباد اللّه المؤمنين ليوجههم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يقولوا الكلمة الطيبة وينطقوا دائما بالحسنى: «وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ،إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا» .
«وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» على وجه الإطلاق وفي كل مجال.فيختاروا أحسن ما يقال ليقولوه ..بذلك يتقون أن يفسد الشيطان ما بينهم من مودة.فالشيطان ينزغ بين الإخوة بالكلمة الخشنة تفلت،وبالرد السيّء يتلوها فإذا جو الود والمحبة والوفاق مشوب بالخلاف ثم بالجفوة ثم بالعداء.والكلمة الطيبة تأسو جراح القلوب،تندّي جفافها،وتجمعها على الود الكريم.