بأبنائه إذا مرضوا ويشقى بهم إذا صحوا.وكم من الناس يعذبون بأبنائهم لسبب من الأسباب! وهؤلاء الذين كانوا على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأمثالهم في كل زمان،يملكون الأموال ويرزقون الأولاد،يعجب الناس ظاهرها،وهي لهم عذاب على نحو من الأنحاء.عذاب في الحياة الدنيا،وهم - بما علم اللّه من دخيلتهم - صائرون إلى الهاوية.هاوية الموت على الكفر والعياذ باللّه من هذا المصير.
والتعبير «وتزهق أنفسهم» يلقي ظل الفرار لهذه النفوس أو الهلاك.ظلا مزعجا لا هدوء فيه ولا اطمئنان،فيتسق هذا الظل مع ظل العذاب في الحياة الدنيا بالأموال والأولاد.فهو القلق والكرب في الدنيا والآخرة.
وما يحسد أحد على هذه المظاهر التي تحمل في طياتها البلاء!
ولقد كان أولئك المنافقون يدسون أنفسهم في الصف،لا عن إيمان واعتقاد،ولكن عن خوف وتقية،وعن طمع ورهب.ثم يحلفون أنهم من المسلمين،أسلموا اقتناعا،وآمنوا اعتقادا ..فهذه السورة تفضحهم وتكشفهم على حقيقتهم،فهي الفاضحة التي تكشف رداء المداورة وتمزق ثوب النفاق: «وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ.لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ» ..
إنهم جبناء.والتعبير يرسم لهذا الجبن مشهدا ويجسمه في حركة.حركة النفس والقلب،يبرزها في حركة جسد وعيان: « لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ» ..
فهم متطلعون أبدا إلى مخبأ يحتمون به،ويأمنون فيه.حصنا أو مغارة أو نفقا.إنهم مذعورون مطاردون.
يطاردهم الفزع الداخلي والجبن الروحي.ومن هنا: «يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ» ..
بكل أدوات التوكيد،ليداروا ما في نفوسهم،وليتقوا انكشاف طويتهم،وليأمنوا على ذواتهم ..وإنها لصورة زرية للجبن والخوف والملق والرياء.لا يرسمها إلا هذا الأسلوب القرآني العجيب.الذي يبرز حركات النفس شاخصة للحس على طريقة التصوير الفني الموحي العميق.
ثم يستمر سياق السورة في الحديث عن المنافقين،وما يند منهم من أقوال وأعمال،تكشف عن نواياهم التي يحاولون سترها،فلا يستطيعون.فمنهم من يلمز النبي - صلى الله عليه وسلم - في توزيع الصدقات،ويتهم عدالته في التوزيع،وهو المعصوم ذو الخلق العظيم،ومنهم من يقول:هو اذن يستمع لكل قائل،ويصدق كل ما يقال،وهو النبي الفطن البصير،المفكر المدبر الحكيم.ومنهم من يتخفى بالقولة الفاجرة الكافرة،حتى إذا انكشف أمره استعان بالكذب والحلف ليبرئ نفسه من تبعة ما قال.ومنهم من يخشى أن ينزل اللّه على رسوله سورة تفضح نفاقهم وتكشفهم للمسلمين.
الدرس الخامس:58 - 60 لمز المنافقين للرسول بالصدقات وبيان مصارف الزكاة