لهذا العقل أن يستقيم،وأن يتحرر،وأن يعيش في سلام ونشاط ..ثم تركه بعد ذلك يعمل في دائرته الخاصة.ويصل إلى الحقائق الجزئية الواقعية بتجاربه.ولم يتعرض لذكر شيء من الحقائق العلمية إلا نادرا.مثل أن الماء أصل الحياة والعنصر المشترك في جميع الأحياء.
ومثل أن جميع الأحياء أزواج حتى النبات الذي يلقح من نفسه فهو يحتوي على خلايا التذكير والتأنيث ...وأمثال هذه الحقائق.التي صرحت بها النصوص القرآنية [1] .
ونعود من هذا الاستطراد إلى النص القرآني نتملاه في مجاله الأصيل.مجال بناء العقيدة وتصريف الحياة: «وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ - وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ - لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» ..
خلق السماوات والأرض في ستة أيام ..وهنا فقرات كثيرة محذوفة يشير إليها ما بعدها فيغني عنها ..
خلقها في هذا الأمد،لتكون صالحة ومجهزة لحياة هذا الجنس البشري،وخلقكم وسخر لكم الأرض وما يفيدكم من السماوات ..وهو سبحانه مسيطر على الكون كله .. «لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» ..والسياق يظهر كأن خلق السماوات والأرض في ستة أيام - مع سيطرة اللّه سبحانه على مقاليده - كان من أجل ابتلاء الإنسان.ليعظم هذا الابتلاء ويشعر الناس بأهميتهم وبجدية ابتلائهم.
وكما جهز الخالق هذه الأرض وهذه السماوات بما يصلح لحياة هذا الجنس،جهز هذا الجنس كذلك باستعدادات وطاقات وبنى فطرته على ذات القانون الذي يحكم الكون وترك له جانبا اختياريا في حياته،يملك معه أن يتجه إلى الهدى فيعينه اللّه عليه ويهديه،أو أن يتجه إلى الضلال فيمد اللّه له فيه،وترك الناس يعملون،ليبلوهم أيهم أحسن عملا.يبلوهم لا للعلم فهو يعلم.ولكن يبلوهم ليظهر المكنون من أفعالهم،فيتلقوا جزاءهم عليها كما اقتضت إرادة اللّه وعدله.
ومن ثم يبدو التكذيب بالبعث والحساب والجزاء عجيبا غريبا في هذا الجو.بعد ما يذكر أن الابتلاء مرتبط بتكوين السماوات والأرض.أصيل في نظام الكون وسنن الوجود.
ويبدو المكذبون به غير معقولين وغير مدركين للحقائق الكبيرة في تكوين هذا الوجود،وهم يعجبون لهذه الحقائق وبها يفاجأون: «وَلَئِنْ قُلْتَ:إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا:إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ» ..فما أعجبها قولة،وما أغربها،وما أكذبها في ظل هذا البيان الذي تقدمها!
شأنهم في التكذيب بالبعث،وجهلهم بارتباطه بناموس الكون،هو شأنهم في مسألة العذاب الدنيوي،فهم يستعجلونه ويتساءلون عن سبب تأخيره،إذا ما اقتضت الحكمة الأزلية أن يتأخر عنهم
(1) - يراجع بتوسع عن موضوع القرآن والعلم ما سبق في هذه الظلال. ص 180 - 184 من الجزء الثاني من هذه الطبعة المنقحة وص 1113 - 1121 من الجزء السابع. ( السيد رحمه الله )