يتلو ذلك التهوين من أمرهم عند اللّه الذي أعطاهم ما هم فيه من قوة وبأس،وهو قادر على الذهاب بهم وتبديل غيرهم منهم.ولكنه يتركهم لحكمة يجري بها قدره القديم: «نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ،وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا» ..وهذه اللفتة تذكر هؤلاء الذين يعتزون بقوتهم،بمصدر هذه القوة،بل مصدر وجودهم ابتداء.ثم تطمئن الذين آمنوا - وهم في حالة الضعف والقلة - إلى أن واهب القوة هو الذي ينتسبون إليه وينهضون بدعوته.كما تقرر في نفوسهم حقيقة قدر اللّه وما وراءه من حكمة مقصودة،هي التي تجري وفقها الأحداث حتى يحكم اللّه وهو خير الحاكمين.
«وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا» ..فهم لا يعجزون اللّه بقوتهم،وهو خلقهم وأعطاهم إياها.وهو قادر على أن يخلق أمثالهم في مكانهم ..فإذا أمهلهم ولم يبدل أمثالهم فهو فضله ومنته وهو قضاؤه وحكمته ..ومن هنا تكون الآية استطرادا في تثبيت الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن معه وتقريرا لحقيقة موقفهم وموقف الآخرين ..كما أنها لمسة لقلوب هؤلاء المستغرقين في العاجلة،المغترين بقوة أسرهم،ليذكروا نعمة اللّه،التي يتبطرون بها فلا يشكرونها وليشعروا بالابتلاء الكامن وراء هذه النعمة.وهو الابتلاء الذي قرره لهم في مطلع السورة.
الدرس السادس:29 - 31 الهداية والتذكرة بيد الله يهبهما لمن يطلبهما
ثم يوقظهم إلى الفرصة المتاحة لهم،والقرآن يعرض عليهم،وهذه السورة منه تذكرهم: «إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا» ..ويعقب على هذه اللفتة بإطلاق المشيئة،ورد كل شيء إليها،ليكون الاتجاه الأخير إليها،والاستسلام الأخير لحكمها وليبرأ الإنسان من قوته إلى قوتها،ومن حوله إلى حولها ..وهو الإسلام في صميمه وحقيقته: «وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا» ..ذلك كي تعلم قلوب البشر أن اللّه هو الفاعل المختار،المتصرف القهار،فتتعلم كيف تتجه إليه وتستسلم لقدره ..وهذا هو مجال هذه الحقيقة الذي تجري فيه في مثل هذه النصوص.مع تقرير ما شاءه اللّه لهم من منحهم القدرة على إدراك الحق والباطل والاتجاه إلى هذا أو ذاك وفق مشيئة اللّه،العليم بحقيقة القلوب،وما أعان به العباد من هبة الإدراك والمعرفة،وبيان الطريق،وإرسال الرسل،وتنزيل القرآن ...إلا أن هذا كله ينتهي إلى قدر اللّه،الذي يلجأ إليه الملتجئ،فيوفقه إلى الذكر والطاعة،فإذا لم يعرف في قلبه حقيقة القدرة المسيطرة،ولم يلجأ إليها لتعينه وتيسره،فلا هدى ولا ذكر،ولا توفيق إلى خير ...ومن ثم فهو: «يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ،وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا» ..فهي المشيئة المطلقة تتصرف بما تريد.ومن إرادتها أن يدخل في رحمته من يشاء،ممن يلتجئون إليه،يطلبون عونه على الطاعة،وتوفيقه إلى الهدى .. «وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا» .وقد أملى لهم وأمهلهم لينتهوا إلى هذا العذاب الأليم!