على أهل الإيمان - لحكمة يعلمها اللّه - في فترة من الفترات.والمؤمن يصبر للابتلاء،ولكن هذا لا يمنعه أن يدعو اللّه ألا يصيبه البلاء الذي يجعله فتنة وشبهة تحيك في الصدور.وبقية الدعاء: «وَاغْفِرْ لَنا» ..يقولها إبراهيم خليل الرحمن.إدراكا منه لمستوى العبادة التي يستحقها منه ربه،وعجزه ببشريته عن بلوغ المستوي الذي يكافئ به نعم اللّه وآلاءه،ويمجد جلاله وكبرياءه فيطلب المغفرة من ربه،ليكون في شعوره وفي طلبه أسوة لمن معه ولمن يأتي بعده.
ويختم دعاءه وإنابته واستغفاره يصف ربه بصفته المناسبة لهذا الدعاء: «رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» ..العزيز:القادر على الفعل،الحكيم:فيما يمضي من تدبير.
وفي نهاية هذا العرض لموقف إبراهيم والذين معه،وفي استسلام إبراهيم وإنابته يعود فيقرر الأسوة ويكررها مع لمسة جديدة لقلوب المؤمنين: «لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ.وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ» ..
فالأسوة في إبراهيم والذين معه متحققة لمن كان يرجو اللّه واليوم الآخر.هؤلاء هم الذين يدركون قيمة التجربة التي عاناها هذا الرهط الكريم،ويجدون فيها أسوة تتبع،وسابقة تهدي.فمن كان يرجو اللّه واليوم الآخر فليتخذ منها أسوة ..وهو تلميح موح للحاضرين من المؤمنين.
فأما من يريد أن يتولى عن هذا المنهج.من يريد أن يحيد عن طريق القافلة.من يريد أن ينسلخ من هذا النسب العريق.فما باللّه من حاجة إليه - سبحانه - «فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ» ..
وتنتهي الجولة وقد عاد المؤمنون أدراجهم إلى أوائل تاريخهم المديد،ورجعوا بذكرياتهم إلى نشأتهم في الأرض وعرفوا تجاربهم المذخورة لهم في الأجيال المتطاولة،ورأوا القرار الذي انتهى إليه من مروا بهذه التجربة ووجدوها طريقا معبدة من قبل ليسوا هم أول السالكين فيها.
والقرآن الكريم يؤكد هذا التصور ويكرره ليتصل ركب المؤمنين،فلا يشعر بالغربة أو الوحشة سالك - ولو كان وحده في جيل!
ولا يجد مشقة في تكليف نهض به السالكون معه في الطريق!
بعدئذ يعود فينسم على هذه القلوب التي يعلم اللّه ما بها من حنين ورغبة في زوال حالة العداء والجفوة التي تكلفهم هذه المشقة.ينسم عليها بنسمة الأمل الندية في أن ينضم هؤلاء الأعداء إلى راية الإسلام،وإلى صفوف المسلمين فيكون هذا هو الطريق لزوال الجفوة وقيام الود على أساسه الركين ..ثم يخفف عنهم مرة أخرى - وهو يضع القاعدة الإسلامية الكبرى في العلاقات الدولية بين المسلمين وغيرهم،فيجعل المقاطعة والخصومة خاصة بحالة العداء والعدوان.فأما حين ينتفي العداء والعدوان فهو البر لمن يستحق البر،وهو القسط في المعاملة والعدل:« عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً،وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ