فهرس الكتاب

الصفحة 4745 من 4997

إن أولئك المطففين،الذين يأكلون أموال الناس بالباطل،ولا يحسبون حساب اليوم الآخر،ويكذبون بيوم الحساب والجزاء،ويرين على قلوبهم الإثم والمعصية ..إن هؤلاء إنما يتنافسون في مال أو متاع من متاع الأرض الزهيد.يريد كل منهم أن يسبق إليه،وأن يحصل على أكبر نصيب منه.ومن ثم يظلم ويفجر ويأثم ويرتكب ما يرتكب في سبيل متاع من متاع الأرض زائل ..وما في هذا العرض القريب الزهيد ينبغي التنافس.إنما يكون التنافس في ذلك النعيم وفي ذلك التكريم: «وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ» ..فهو مطلب يستحق المنافسة،وهو أفق يستحق السباق،وهو غاية تستحق الغلاب.

والذين يتنافسون على شيء من أشياء الأرض مهما كبر وجل وارتفع وعظم،إنما يتنافسون في حقير قليل فان قريب.والدنيا لا تزن عند اللّه جناح بعوضة.ولكن الآخرة ثقيلة في ميزانه.فهي إذن حقيقة تستحق المنافسة فيها والمسابقة ..ومن عجب أن التنافس في أمر الآخرة يرتفع بأرواح المتنافسين جميعا.بينما التنافس في أمر الدنيا ينحط بها جميعا.والسعي لنعيم الآخرة يصلح الأرض ويعمرها ويطهرها للجميع.والسعي لعرض الدنيا يدع الأرض مستنقعا وبيئا تأكل فيه الديدان بعضها البعض.أو تنهش فيه الهوام والحشرات جلود الأبرار الطيبين! والتنافس في نعيم الآخرة لا يدع الأرض خرابا بلقعا كما قد يتصور بعض المنحرفين.إنما يجعل الإسلام الدنيا مزرعة الآخرة،ويجعل القيام بخلافة الأرض بالعمار مع الصلاح والتقوى وظيفة المؤمن الحق.على أن يتوجه بهذه الخلافة إلى اللّه،ويجعل منها عبادة له تحقق غاية وجوده كما قررها اللّه - سبحانه - وهو يقول: «وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» [1] .

وإن قولة «وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ» ...لهو توجيه يمد بأبصار أهل الأرض وقلوبهم وراء رقعة الأرض الصغيرة الزهيدة،بينما هم يعمرون الأرض ويقومون بالخلافة فيها.ويرفعها إلى آفاق أرفع وأطهر من المستنقع الآسن بينما هم يطهرون المستنقع وينظفونه!

إن عمر المرء في هذه العاجلة محدود،وعمره في الآجلة لا يعلم نهايته إلا اللّه.وإن متاع هذه الأرض في ذاته محدود.ومتاع الجنة لا تحده تصورات البشر.وإن مستوى النعيم في هذه الدنيا معروف ومستوى النعيم هناك يليق بالخلود! فأين مجال من مجال؟ وأين غاية من غاية؟ حتى بحساب الربح والخسارة فيما يعهد البشر من الحساب؟! ألا إن السباق إلى هناك .. «وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ» ..

الدرس الرابع:29 - 34 من جرائم المجرمين ضد المؤمنين في الدنيا واختلاف الموقف يوم القيامة

وكأنما أطال السياق في عرض صور النعيم الذي ينتظر الأبرار،تمهيدا للحديث عما كانوا يلقون في الأرض من الفجار.من أذى واستهزاء وتطاول وادعاء ..وقد أطال في عرضه كذلك.ليختمه بالسخرية من الكفار،وهم يشهدون نعيم الأبرار:« إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا

(1) - يراجع تفسير هذا القول في سورة الذاريات الجزء السابع والعشرون.صفحة 3386 - 3388.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت