واعتبار الولاية والتوجه مظهر الاستسلام والعبودية.فإذا أمر رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن يستنكر أن يتخذ غير اللّه وليا بين أن هذا الاستنكار قائم أولا على أن اللّه يطعم ولا يطعم وقائم ثانيا على أن تولي غير اللّه نقض لما أمر به من الإسلام وعدم الشرك أيضا ..
ويصاحب عرض حقيقة الألوهية،في هذه الصورة ولهذا الغرض،جملة مؤثرات قوية تخلخل القلوب.
تبدأ بعرض حقيقة الملكية لكل شيء.وحقيقة أن اللّه هو الذي يطعم ولا يطعم.وعرض العذاب الرعيب الذي يعد مجرد صرفه رحمة من اللّه وفوزا عظيما.وعرض القدرة على الضر والخير.وعرض الاستعلاء والقهر.
وعرض الحكمة والخبرة ..ثم الإيقاع الرهيب المزلزل،المتمثل في الأمر العلوي الهائل:قل.قل.قل:
فإذا تم هذا العرض بكل مؤثراته العميقة،جاء الختام بالإيقاع العالي المجلجل ..إيقاع الإشهاد على التوحيد،وإنكار الشرك،والمفاصلة الحاسمة مصحوبا كذلك بالأمر العلوي في كل فاصلة: «قُلْ:أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً؟» .. «قُلِ:اللَّهُ» .. «قُلْ:لا أَشْهَدُ» .. «قُلْ:إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ» ..مما يضفي على الجو كله رهبة غامرة ويضفي على الأمر كله طابع جد مرهوب!
«قُلْ:لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؟ قُلْ لِلَّهِ،كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ،لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ،الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ.وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ،وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ»
إنه موقف المواجهة للبيان والتقرير،ثم المفاصلة ..ومن ثم يبدأ بتوجيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهذه المواجهة.مواجهة المشركين - الذين يعرفون أن اللّه هو الخالق ثم يعدلون به من لا يخلق فيجعلون له شركاء مع اللّه في تصريف حياتهم - مواجهتهم بالسؤال عن الملكية - بعد الخلق - لكل ما في السماوات والأرض،مستقصيا بهذا السؤال حدود الملكية في المكان: «ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» ..مع تقرير الحقيقة التي لم يكونوا هم يجادلون فيها والتي حكى القرآن في مواضع أخرى إقرارهم الكامل بها: «قُلْ:لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؟ قُلْ:لِلَّهِ» ..
ولقد كان العرب في جاهليتهم - على كل ما في هذه الجاهلية من ضلال في التصور ينشأ عنه انحطاط في الحياة - أرقى - في هذا الجانب - من الجاهلية «العلمية» الحديثة،التي لا تعرف هذه الحقيقة،والتي تغلق فطرتها وتعطلها دون رؤية هذه الحقيقة! كانوا يعرفون ويقررون أن للّه ما في السماوات والأرض.ولكنهم ما كانوا يرتبون على هذه الحقيقة نتائجها المنطقية بإفراد اللّه سبحانه بالحاكمية فيما يملك،وعدم التصرف فيه إلا بإذن اللّه وحده وشرعه ..وبهذا اعتبروا مشركين،وسميت حياتهم بالجاهلية! فكيف بمن يخرجون الحاكمية في أمرهم كله من اختصاص اللّه سبحانه ويزاولونها هم بأنفسهم؟! بما ذا يوصفون وبما ذا توصف حياتهم؟ لا بد من إعطائهم صفة أخرى غير الشرك ..فهو الكفر والظلم والفسق كما يقرر اللّه سبحانه ..