فهرس الكتاب
أيا كانت دعواهم في الإسلام وأيا كانت الصفة التي تعطيها لهم شهادات الميلاد! ونعود إلى الآية.لنجد السياق يلحق بهذا التقرير لملكية اللّه - سبحانه - لما في السماوات وما في الأرض،أنه - سبحانه: «كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» ..
فهو سبحانه المالك،لا ينازعه منازع،ولكنه - فضلا منه ومنة - كتب على نفسه الرحمة.كتبها بإرادته ومشيئته لا يوجبها عليه موجب ولا يقترحها عليه مقترح ولا يقتضيها منه مقتض - إلا إرادته الطليقة وإلا ربوبيته الكريمة - وهي - الرحمة - قاعدة قضائه في خلقه،وقاعدة معاملته لهم في الدنيا والآخرة.
والاعتقاد إذن بهذه القاعدة يدخل في مقوّمات التصور الإسلامي،فرحمة اللّه بعباده هي الأصل،حتى في ابتلائه لهم أحيانا بالضراء.فهو يبتليهم ليعد طائفة منهم بهذا الابتلاء لحمل أمانته،بعد الخلوص والتجرد والمعرفة والوعي والاستعداد والتهيؤ عن طريق هذا الابتلاء وليميز الخبيث من الطيب في الصف،وليعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيّ عن بينة ..والرحمة في هذا كله ظاهرة ..
على أن تلمس مواضع رحمة اللّه ومظاهرها يستغرق الأعمار والأجيال.فما من لحظة إلا وتغمر العباد فيها الرحمة ..إنما ذكرنا الرحمة في الابتلاء بالضراء،لأن هذه هي التي قد تزيغ فيها القلوب والأبصار! ولن نحاول نحن أن نتقصى مواضع الرحمة الإلهية أو مظاهرها - وإن كنا سنشير إشارة مجملة إلى شيء من ذلك فيما يلي - ولكننا سنحاول أن نقف قليلا أمام هذا النص القرآني العجيب: «كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» .وقد تكرر وروده في السورة في موضع آخر سيأتي: «كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» .
إن الذي يستوقف النظر في هذا النص هو ذلك التفضل الذي أشرنا من قبل إليه ..تفضل الخالق المالك ذي السلطان القاهر فوق عباده ..تفضله - سبحانه - بأن يجعل رحمته بعباده في هذه الصورة ..مكتوبة عليه ..كتبها هو على نفسه وجعلها عهدا منه لعباده ..بمحض إرادته ومطلق مشيئته ..وهي حقيقة هائلة لا يثبت الكيان البشري لتمليها وتأملها وتذوق وقعها حين يقف لتدبرها في هذه الصورة العجيبة ..
كذلك يستوقف النظر مرة أخرى ذلك التفضل الآخر الذي يتجلى في إخباره لعباده بما كتبه - سبحانه - على نفسه من رحمته.فإن العناية بإبلاغهم هذه الحقيقة هي تفضل آخر،لا يقل عن ذلك التفضل الأول! فمن هم العباد حتى تبلغ العناية بهم أن يبلغوا ما جرت به إرادة اللّه في الملأ الأعلى؟ وأن يبلغوا بكلمات منه سبحانه يحملها إليهم رسوله؟ من هم؟ إلا أنه الفضل العميم،الفائض من خلق اللّه الكريم؟! إن تدبر هذه الحقيقة على هذا النحو ليدع القلب في عجب وفي دهش كما يدعه في أنس وفي روح لا تبلغ الكلمات أن تصور جوانبه وحواشيه! ومثل هذه الحقائق،وما تثيره في القلب من مشاعر ليس موكولا إلى التعبير البشري ليبلغ شيئا في تصويره وإن كان القلب البشري مهيا