قَالَ - فَأَتَيْتُهُمْ فِى حَشٍّ - وَالْحَشُّ الْبُسْتَانُ - فَإِذَا رَأْسُ جَزُورٍ مَشْوِىٌّ عِنْدَهُمْ وَزِقٌّ مِنْ خَمْرٍ - قَالَ - فَأَكَلْتُ وَشَرِبْتُ مَعَهُمْ - قَالَ - فَذُكِرَتِ الأَنْصَارُ وَالْمُهَاجِرُونَ عِنْدَهُمْ فَقُلْتُ الْمُهَاجِرُونَ خَيْرٌ مِنَ الأَنْصَارِ - قَالَ - فَأَخَذَ رَجُلٌ أَحَدَ لَحْيَىِ الرَّأْسِ فَضَرَبَنِى بِهِ فَجَرَحَ بِأَنْفِى فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأَخْبَرْتُهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِىَّ - يَعْنِى نَفْسَهُ - شَأْنَ الْخَمْرِ (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) [1] .
وهكذا انتصر الإيمان على فتنة القرابة والرحم واستبقي الإحسان والبر.وإن المؤمن لعرضة لمثل هذه الفتنة في كل آن فليكن بيان اللّه وفعل سعد هما راية النجاة والأمان.
ثم يرسم صورة كاملة لنموذج من النفوس في استقبال فتنة الإيذاء بالاستخذاء،ثم الادعاء العريض عند الرخاء.يرسمها في كلمات معدودات،صورة واضحة الملامح بارزة السمات: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ:آمَنَّا بِاللَّهِ.فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ:إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ.أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ؟ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا،وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ» ..
ذلك النموذج من الناس،يعلن كلمة الإيمان في الرخاء يحسبها خفيفة الحمل،هينة المئونة،لا تكلف إلا نطقها باللسان، «فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ» بسبب الكلمة التي قالها وهو آمن معافى «جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ» فاستقبلها في جزع،واختلت في نفسه القيم،واهتزت في ضميره العقيدة وتصور أن لا عذاب بعد هذا الأذى الذي يلقاه،حتى عذاب اللّه وقال في نفسه:ها هو ذا عذاب شديد أليم ليس وراءه شيء،فعلام أصبر على الإيمان،و عذاب اللّه لا يزيد على ما أنا فيه من عذاب؟ وإن هو إلا الخلط بين أذى يقدر على مثله البشر،وعذاب اللّه الذي لا يعرف أحد مداه.
هذا موقف ذلك النموذج من الناس في استقبال الفتنة في ساعة الشدة.
«وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ:إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ» ! إنا كنا معكم ..وذلك كان موقفهم في ساعة العسرة من التخاذل والتهافت والتهاوي،وسوء التصوير وخطأ التقدير.ولكن حين يجيء الرخاء تنبث الدعوى العريضة،وينتفش المنزوون المتخاذلون،ويستأسد الضعفاء المهزومون،فيقولون: «إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ» ! «أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ؟» ..
أو ليس يعلم ما تنطوي عليه تلك الصدور من صبر أو جزع،ومن إيمان أو نفاق؟ فمن الذي يخدعه هؤلاء وعلى من يموهون؟
«وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ» ..وليكشفنهم فيعرفون فما كانت الفتنة إلا ليتبين الذين آمنوا ويتبين المنافقون.
(1) -صحيح مسلم- المكنز [16 /38] (6391) الحش:البستان =القبض:الموضع الذى يجمع فيه الغنائم