هذه السورة الصغيرة ..كما تحمل البشرى لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بنصر اللّه والفتح ودخول الناس في دين اللّه أفواجا وكما توجهه - صلى الله عليه وسلم - حين يتحقق نصر اللّه وفتحه واجتماع الناس على دينه إلى التوجه إلى ربه بالتسبيح والحمد والاستغفار ..
كما تحمل إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - البشرى والتوجيه ..تكشف في الوقت ذاته عن طبيعة هذه العقيدة وحقيقة هذا المنهج،ومدى ما يريد أن يبلغ بالبشرية من الرفعة والكرامة والتجرد والخلوص،والانطلاق والتحرر ..هذه القمة السامقة الوضيئة،التي لم تبلغها البشرية قط إلا في ظل الإسلام.ولا يمكن أن تبلغها إلا وهي تلبي هذا الهدف العلوي الكريم.
وقد وردت روايات عدة عن نزول هذه السورة نختار منها ما روى مسلم عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ « سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ » .قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِى أَرَاكَ أَحْدَثْتَهَا تَقُولُهَا قَالَ « جُعِلَتْ لِى عَلاَمَةٌ فِى أُمَّتِى إِذَا رَأَيْتُهَا قُلْتُهَا (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) » .إِلَى آخِرِ السُّورَةِ. [1]
وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ،قَالَتْ:كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي آخِرِ أَمْرِهِ لَا يَقُومُ وَلَا يَقْعُدُ،وَلَا يَذْهَبُ وَلَا يَجِيءُ إِلَّا قَالَ:"سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ"فَقُلْتُ:يَا رَسُولَ اللَّهِ،إِنَّكَ تُكْثِرُ مِنْ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ،لَا تَذْهَبُ وَلَا تَجِيءُ،وَلَا تَقُومُ وَلَا تَقْعُدُ إِلَّا قُلْتَ:سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ،قَالَ:"إِنِّي أُمِرْتُ بِهَا"فَقَالَ:إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ" [2] "
وقال ابن كثير في التفسير:والمراد بالفتح هاهنا فتح مكة قولا واحدًا،فإن أحياء العرب كانت تَتَلَوّم بإسلامها فتح مكة،يقولون:إن ظهر على قومه فهو نبي.فلما فتح الله عليه مكة دخلوا في دين الله أفواجًا،فلم تمض سنتان حتى استوسقت جزيرة العرب إيمانًا،ولم يبق في سائر قبائل العرب إلا مظهر للإسلام،ولله الحمد والمنة. [3] ،وقد روى البخاري في صحيحه عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ قَالَ قَالَ لِى أَبُو قِلاَبَةَ أَلاَ تَلْقَاهُ فَتَسْأَلَهُ،قَالَ فَلَقِيتُهُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ كُنَّا بِمَاءٍ مَمَرَّ النَّاسِ،وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا الرُّكْبَانُ فَنَسْأَلُهُمْ مَا لِلنَّاسِ مَا لِلنَّاسِ مَا هَذَا الرَّجُلُ فَيَقُولُونَ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ أَوْحَى إِلَيْهِ،أَوْ أَوْحَى اللَّهُ بِكَذَا .فَكُنْتُ أَحْفَظُ ذَلِكَ الْكَلاَمَ،وَكَأَنَّمَا يُغْرَى فِى صَدْرِى،وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَلَوَّمُ بِإِسْلاَمِهِمِ الْفَتْحَ،فَيَقُولُونَ اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ،فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهْوَ نَبِىٌّ صَادِقٌ .فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ الْفَتْحِ بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلاَمِهِمْ،وَبَدَرَ أَبِى قَوْمِى بِإِسْلاَمِهِمْ،فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ جِئْتُكُمْ وَاللَّهِ مِنْ عِنْدِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - حَقًّا فَقَالَ « صَلُّوا صَلاَةَ كَذَا
(1) - صحيح مسلم (1114 )
(2) - جَامِعُ الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لِلطَّبَرِيِّ (35499 ) صحيح - زيادة مني
(3) - تفسير ابن كثير - دار طيبة [8 /513]