فِى حِينِ كَذَا،وَصَلُّوا كَذَا فِى حِينِ كَذَا،فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ،فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ،وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا » .فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّى،لِمَا كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنَ الرُّكْبَانِ،فَقَدَّمُونِى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ،وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ أَوْ سَبْعِ،سِنِينَ وَكَانَتْ عَلَىَّ بُرْدَةٌ،كُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ عَنِّى،فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْحَىِّ أَلاَ تُغَطُّوا عَنَّا اسْتَ قَارِئِكُمْ .فَاشْتَرَوْا فَقَطَعُوا لِى قَمِيصًا،فَمَا فَرِحْتُ بِشَىْءٍ فَرَحِى بِذَلِكَ الْقَمِيصِ . [1] ..
فهذه الرواية هي التي تنفق مع ظاهر النص في السورة: «إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ...» إلخ فهي إشارة عند نزول السورة إلى أمر سيجيء بعد ذلك،مع توجيه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ما يعمله عند تحقق هذه البشارة وظهور هذه العلامة.
وهناك رواية أخرى عن ابن عباس لا يصعب التوفيق بينها وبين هذه الرواية التي اخترناها ..
روى البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِى مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ،فَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ فِى نَفْسِهِ فَقَالَ لِمَ تُدْخِلُ هَذَا مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ فَقَالَ عُمَرُ إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ عَلِمْتُمْ .فَدَعَا ذَاتَ يَوْمٍ - فَأَدْخَلَهُ مَعَهُمْ - فَمَا رُئِيتُ أَنَّهُ دَعَانِى يَوْمَئِذٍ إِلاَّ لِيُرِيَهُمْ .قَالَ مَا تَقُولُونَ فِى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) فَقَالَ بَعْضُهُمْ أُمِرْنَا نَحْمَدُ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرُهُ،إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا .وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا فَقَالَ لِى أَكَذَاكَ تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ لاَ .قَالَ فَمَا تَقُولُ قُلْتُ هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَعْلَمَهُ لَهُ،قَالَ ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) وَذَلِكَ عَلاَمَةُ أَجَلِكَ ( فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ) .فَقَالَ عُمَرُ مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلاَّ مَا تَقُولُ . (تفرد به البخاري) [2] .
فلا يمتنع أن يكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - حين رأى علامة ربه أدرك أن واجبه في الأرض قد كمل،وأنه سيلقى ربه قريبا.فكان هذا معنى قول ابن عباس:هو أجل رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أعلمه له ..إلخ ..
ولكن هناك حديث رواه الحافظ الدارمي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:لَمَّا نَزَلَتْ (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) دَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَاطِمَةَ فَقَالَ: « قَدْ نُعِيَتْ إِلَىَّ نَفْسِى » .فَبَكَتْ فَقَالَ: « لاَ تَبْكِى،فَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِى لاَحِقٌ بِى » .فَضَحِكَتْ فَرَآهَا بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقُلْنَ:يَا فَاطِمَةُ رَأَيْنَاكِ بَكَيْتِ ثُمَّ ضَحِكْتِ .قَالَتْ:إِنَّهُ أَخْبَرَنِى أَنَّهُ قَدْ نُعِيَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ فَبَكَيْتُ،فَقَالَ لِى: « لاَ تَبْكِى،فَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِى لاَحِقٌ بِى » .فَضَحِكْتُ.وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَجَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً،وَالإِيمَانُ يَمَانٍ،وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ » [3] ..
ففي هذا الحديث تحديد لنزول السورة.فكأنها نزلت والعلامة حاضرة.أي أنه كان الفتح قد تم ودخول الناس أفواجا قد تحقق.فلما نزلت السورة مطابقة للعلامة علم رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أنه أجله ..
(1) - صحيح البخارى- المكنز [14 /212] (4302)
(2) - صحيح البخارى- المكنز [16 /435] (4970 )
(3) - سنن الدارمى- المكنز [1 /95] (80) حسن