فهرس الكتاب

الصفحة 3018 من 4997

إنه الجلال،يغمر الجو كله ويغشاه،في حضرة الرحمن.

«وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا» .كذلك على هذا النسق نوعنا في القرآن من صور الوعيد ومواقفه ومشاهده لعله يستجيش في نفوس المكذبين شعور التقوى،أو يذكرهم بما سيلقون في الآخرة فينزجروا ..فذلك إذ يقول اللّه في أول السورة. «ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى .إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى » ..

ولقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يلاحق الوحي فيردد ألفاظ القرآن وآياته قبل أن ينتهي الوحي مخافة أن ينسى.وكان ذلك يشق عليه.فأراد ربه أن يطمئن قلبه على الأمانة التي يحملها: «فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ.وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ.وَقُلْ:رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا» ..فتعالى اللّه الملك الحق الذي تعنو له الوجوه ويخيب في حضرته الظالمون ويأمن في ظله المؤمنون الصالحون ..

هو منزل هذا القرآن من عليائه،فلا يعجل به لسانك،فقد نزل القرآن لحكمة،ولن يضيعه.إنما عليك أن تدعو ربك ليزيدك من العلم،وأنت مطمئن إلى ما يعطيك،لا تخشى عليه الذهاب.وما العلم إلا ما يعلمه اللّه فهو الباقي الذي في ينفع ولا يضيع.ويثمر ولا يخيب ..

الدرس الثاني:115 - 127 قصة آدم وتعقيب عليها

ثم تجيء قصة آدم،وقد نسي ما عهد اللّه به إليه وضعف أمام الإغراء بالخلود،فاستمع لوسوسة الشيطان:وكان هذا ابتلاء من ربه له قبل أن يعهد إليه بخلافة الأرض ونموذجا من فعل إبليس يتخذ أبناء آدم منه عبرة.فلما تم الابتلاء تداركت آدم رحمة اللّه فاجتباه وهداه ..

والقصص القرآني يجيء في السياق متناسقا معه.وقصة آدم هنا تجيء بعد عجلة الرسول بالقرآن خوف النسيان،فيذكر في قصة آدم نقطة النسيان.وتجيء في السورة التي تكشف عن رحمة اللّه ورعايته لمن يجتبيهم من عباده،فيذكر في قصة آدم أن ربه اجتباه فتاب عليه وهداه.ثم يعقبها مشهد من مشاهد القيامة يصور عاقبة الطائعين من أبنائه وعاقبة العصاة.وكأنما هي العودة من رحلة الأرض إلى المقر الأول ليجزى كل بما قدمت يداه.

فلنتبع القصة كما جاءت في السياق: «وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا» ..

وعهد اللّه إلى آدم كان هو الأكل من كل الثمار سوى شجرة واحدة،تمثل المحظور الذي لا بد منه لتربية الإرادة،وتأكيد الشخصية،والتحرر من رغائب النفس وشهواتها بالقدر الذي يحفظ للروح الإنسانية حرية الانطلاق من الضرورات عند ما تريد فلا تستعبدها الرغائب وتقهرها.وهذا هو المقياس الذي لا يخطىء في قياس الرقي البشري.فكلما كانت النفس أقدر على ضبط رغائبها والتحكم فيها والاستعلاء عليها كانت أعلى في سلم الرقي البشري.وكلما ضعفت أمام الرغبة وتهاوت كانت أقرب إلى البهيمية وإلى المدارج الأولى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت