ويرسم للمعرضين عن هذا الذكر - ويسميهم المجرمين - مشهدا في يوم القيامة.فهؤلاء المجرمون يحملون أثقالهم كما يحمل المسافر أحماله.ويا لسوئها من أحمال! فإذا نفخ في البوق للتجمع فالمجرمون يحشرون زرق الوجوه من الكدر والغم.يتخافتون بينهم بالحديث،لا يرفعون به صوتا من الرعب والهول،ومن الرهبة المخيمة على ساحة الحشر.وفيم يتخافتون؟ إنهم يحسدون عما قضوا على الأرض من أيام.وقد تضاءلت الحياة الدنيا في حسهم،وقصرت أيامها في مشاعرهم،فليست في حسهم سوى أيام قلائل: «إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا» فأما أرشدهم وأصوبهم رأيا فيحسونها أقصر وأقصر: «إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا» .وهكذا تنزوي تلك الأعمار التي عاشوها على الأرض وتنطوي ويتضاءل متاع الحياة وهموم الحياة ويبدو ذلك كله فترة وجيزة في الزمان،وشيئا ضئيلا في القيمة.فما قيمة عشر ليال ولو حفلت باللذائذ كلها وبالمتاع؟ وما قيمة ليلة ولو كانت دقائقها ولحظاتها مليئة بالسعادة والمسرة.ما قيمة هذه أو تلك إلى جانب الآماد التي لا نهاية لها،والتي تنتظرهم بعد الحشر وتمتد بهم بلا انقطاع؟! ويزيد مشهد الهول بروزا،بالعودة إلى سؤال لهم يسألونه في الدنيا عن الجبال ما يكون من شأنها يومذاك.فإذا الجواب يصور درجة الهول الذي يواجهونه! «وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ:يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا،فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا.يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ،وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ،فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا.يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا.يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا.وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ،وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا.وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا» ..
ويتجلى المشهد الرهيب فإذا الجبال الراسية الراسخة قد نسفت نسفا وإذا هي قاع بعد ارتفاع قاع صفصف خال من كل نتوء ومن كل اعوجاج،فلقد سويت الأرض فلا علو فيها ولا انخفاض ..
وكأنما تسكن العاصفة بعد ذلك النسف والتسوية وتنصت الجموع المحشودة المحشورة،وتخفت كل حركة وكل نأمة،ويستمعون الداعي إلى الموقف فيتبعون توجيهه كالقطيع صامتين مستسلمين،لا يتلفتون ولا يتخلفون - وقد كانوا يدعون إلى الهدى فيتخلفون ويعرضون - ويعبر عن استسلامهم بأنهم «يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ» تنسيقا لمشهد القلوب والأجسام مع مشهد الجبال التي لا عوج فيها ولا نتوء! ثم يخيم الصمت الرهيب والسكون الغامر: «وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا» ..
«وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ» ..وهكذا يخيم الجلال على الموقف كله،وتغمر الساحة التي لا يحدها البصر رهبة وصمت وخشوع.فالكلام همس.والسؤال تخافت.والخشوع ضاف.والوجوه عانية.وجلال الحي القيوم يغمر النفوس بالجلال الرزين.ولا شفاعة إلا لمن ارتضى اللّه قوله.والعلم كله للّه.وهم لا يحيطون به علما.والظالمون يحملون ظلمهم فيلقون الخيبة.والذين آمنوا مطمئنون لا يخشون ظلما في الحساب ولا هضما لما عملوا من صالحات.