إن للطاقة البشرية حدودا في الصبر والحلم والإمهال. وما يحلم على البشر ويمهلهم - على عصيانهم وتمردهم وتبجحهم - إلا اللّه الحليم القوي العظيم ..
وصدق اللّه العظيم .. فإن الإنسان ليرى من بعض الخلق ما يضيق به الصدر،وتبلغ منه الروح الحلقوم ..
ثم ينظر فيجد اللّه - سبحانه - يسعهم في ملكه،ويطعمهم،ويسقيهم،ويغدق أحيانا عليهم،ويفتح عليهم أبواب كل شيء .. وما يجد الإنسان إلا أن يقول قولة أبي بكر - رضي اللّه عنه - والمشركون يضربونه الضرب المبرح الغليظ،حتى ما يعرف له أنف من عين: «رب ما أحلمك! رب ما أحلمك!» [1] .. فإنما هو حلم اللّه وحده .. وهو يستدرجهم من حيث لا يعلمون! «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ» ..
فهو يمهلهم عن علم،ويملي لهم عن حكمة،ويحلم عليهم وهو قادر على أن يجيبهم إلى ما يقترحون،ثم ينزل بهم العذاب الأليم ..
وبمناسبة علم اللّه - سبحانه - بالظالمين واستطرادا في بيان حقيقة الألوهية يجلي هذه الحقيقة في مجال ضخم عميق من مجالاتها الفريدة .. مجال الغيب المكنون،وعلم اللّه المحيط بهذا الغيب إحاطته بكل شيء،ويرسم صورة فريدة لهذا العلم ويرسل سهاما بعيدة المدى تشير إلى آماده وآفاقه من بعيد: « وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ،وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ،وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها،وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ،وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ،إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ» ..إنها صورة لعلم اللّه الشامل المحيط الذي لا يند عنه شيء في الزمان ولا في المكان،في الأرض ولا في السماء،في البر ولا في البحر،في جوف الأرض ولا في طباق الجو،من حي وميت ويابس ورطب ...
ولكن أين هذا الذي نقوله نحن - بأسلوبنا البشري المعهود - من ذلك النسق القرآني العجيب؟ وأين هذا التعبير الإحصائي المجرد،من ذلك التصوير العميق الموحي؟
إن الخيال البشري لينطلق وراء النص القصير يرتاد آفاق المعلوم والمجهول،وعالم الغيب وعالم الشهود،وهو يتبع ظلال علم اللّه في أرجاء الكون الفسيح،ووراء حدود هذا الكون المشهود .. وإن الوجدان ليرتعش وهو يستقبل الصور والمشاهد من كل فج وواد. وهو يرتاد - أو يحاول أن يرتاد -
(1) - قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:وَحَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ،عَنْ أَبِيهِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمّدٍ،قَالَ لَقِيَهُ سَفِيهٌ مِنْ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ،وَهُوَ عَامِدٌ إلَى الْكَعْبَةِ،فَحَثَا عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا .قَالَ فَمَرّ بِأَبِي بَكْر ٍ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ،أَوْ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ .قَالَ فَقَالَ أَبُو بَكْر ٍ أَلَا تَرَى إلَى مَا يَصْنَعُ هَذَا السّفِيهُ ؟ قَالَ أَنْتَ فَعَلْتَ ذَلِكَ بِنَفْسِك .قَالَ وَهُوَ يَقُولُ أَيْ رَبّ مَا أَحْلَمَك أَيْ رَبّ مَا أَحْلَمَك أَيْ رَبّ مَا أَحْلَمَك"سيرة ابن هشام [1 /373] صحيح مرسل"