فأما الوظيفة البارزة لمن يختاره اللّه من عباده فيلقي عليه الروح من أمره،فهي الإنذار: «لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ» ..وفي هذا اليوم يتلاقى البشر جميعا.ويتلاقى الناس وأعمالهم التي قدموا في الحياة الدنيا.ويتلاقى الناس والملائكة والجن وجميع الخلائق التي تشهد ذلك اليوم المشهود وتلتقي الخلائق كلها بربها في ساعة الحساب فهو يوم التلاقي بكل معاني التلاقي.
ثم هو اليوم الذي يبرزون فيه بلا ساتر ولا واق ولا تزييف ولا خداع: « يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ» ..واللّه لا يخفى عليه منهم شيء في كل وقت وفي كل حال.ولكنهم في غير هذا اليوم قد يحسبون أنهم مستورون،وأن أعمالهم وحركاتهم خافية،أما اليوم فيحسون أنهم مكشوفون،ويعلمون أنهم مفضوحون ويقفون عارين من كل ساتر حتى ستار الأوهام!
ويومئذ يتضاءل المتكبرون،وينزوي المتجبرون،ويقف الوجود كله خاشعا،والعباد كلهم خضعا.ويتفرد مالك الملك الواحد القهار بالسلطان.وهو سبحانه متفرد به في كل آن.فأما في هذا اليوم فينكشف هذا للعيان،بعد انكشافه للجنان.ويعلم هذا كل منكر ويستشعره كل متكبر.وتصمت كل نأمة وتسكن كل حركة.وينطلق صوت جليل رهيب يسأل ويجيب فما في الوجود كله يومئذ من سائل غيره ولا مجيب: «لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟» .. «لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ» ..
«الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ.لا ظُلْمَ الْيَوْمَ.إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ» ..
اليوم يوم الجزاء الحق.اليوم يوم العدل.اليوم يوم القضاء الفصل.بلا إمهال ولا إبطاء.
ويخيم الجلال والصمت،ويغمر الموقف رهبة وخشوع،وتسمع الخلائق وتخشع،ويقضى الأمر،وتطوى صحائف الحساب.
ويتسق هذا الظل مع قوله عن الذين يجادلون في آيات اللّه - في مطلع السورة: «فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ» ..فهذه نهاية التقلب في الأرض،والاستعلاء بغير الحق،والتجبر والتكبر والثراء والمتاع.
ويستطرد السياق يوجه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى إنذار القوم بذلك اليوم،في مشهد من مشاهد القيامة يتفرد فيه اللّه بالحكم والقضاء بعد ما عرضه عليهم في صورة حكاية لم يوجه لهم فيها الخطاب: « وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ،ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ.يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ.وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» ..
والآزفة ..القريبة والعاجلة ..وهي القيامة.واللفظ يصورها كأنها مقتربة زاحفة.والأنفاس من ثم مكروبة لاهثة،وكأنما القلوب المكروبة تضغط على الحناجر وهم كاظمون لأنفاسهم ولآلامهم ولمخاوفهم،والكظم يكربهم،ويثقل على صدورهم وهم لا يجدون حميما يعطف عليهم ولا شفيعا ذا