رسول من البشر.كأن في هذا غضا من قيمة هؤلاء الجهال المتكبرين! فجائز في عرفهم أن يتبعوا رسولا من خلق آخر غير جنسهم بلا غضاضة.أما أن يتبعوا واحدا منهم فهي في نظرهم حطة وقلة قيمة! ومن ثم كفروا وتولوا معرضين عن الرسل وما معهم من البينات،ووقفت في صدورهم هذه الكبرياء وذلك الجهل.فاختاروا لأنفسهم الشرك والكفر ..
« وَاسْتَغْنَى اللَّهُ.وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ» ..استغنى اللّه عنهم وعن إيمانهم وعن طاعتهم ..وما هو - سبحانه - بمحتاج إلى شيء منهم ولا من غيرهم،ولا بمحتاج أصلا: «وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ» .
فهذا نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم.وهذا سبب ما ذاقوا وما ينتظرهم.فكيف يكذب بعد هذا النبأ مكذبون جدد؟ أليلقوا مصيرا كهذا المصير؟
والمقطع الثالث بقية للمقطع الثاني يحكي تكذيب الذين كفروا بالبعث - وظاهر أن الذين كفروا هم المشركون الذين كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يواجههم بالدعوة - وفيه توجيه للرسول أن يؤكد لهم أمر البعث توكيدا وثيقا.وتصوير لمشهد القيامة ومصير المكذبين والمصدقين فيه ودعوة لهم إلى الإيمان والطاعة ورد كل شيء للّه فيما يقع لهم في الحياة: « زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا.قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ،ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ.وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ.فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا.وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ،ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ،وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ،وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا.ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ.ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ،وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ،وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ،وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ،فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ.اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ،وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» ..
ومنذ البدء يسمي مقالة الذين كفروا عن عدم البعث زعما،فيقضي بكذبه من أول لفظ في حكايته.ثم يوجه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى توكيد أمر البعث بأوثق توكيد،وهو أن يحلف بربه.وليس بعد قسم الرسول بربه توكيد: «قل:بلى وربي لتبعثن» .. «ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ» ..فليس شيء منه بمتروك.واللّه أعلم منهم بعملهم حتى لينبئهم به يوم القيامة! «وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ» ..فهو يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم السر والعلن وهو عليم بذات الصدور.وهو على كل شيء قدير.كما جاء في مطلع السورة تمهيدا لهذا التقرير.