فهرس الكتاب

الصفحة 4440 من 4997

وفي ظل هذا التوكيد الوثيق يدعوهم إلى الإيمان باللّه ورسوله والنور الذي أنزله مع رسوله.وهو هذا القرآن.وهو هذا الدين الذي يبشر به القرآن.وهو نور في حقيقته بما أنه من عند اللّه.واللّه نور السماوات والأرض.وهو نور في آثاره إذ ينير القلب فيشرق بذاته ويبصر الحقيقة الكامنة فيه هو ذاته.

ويعقب على دعوتهم إلى الإيمان،بما يشعرهم أنهم مكشوفون لعين اللّه لا يخفى عليه منهم شيء: «وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» ..وبعد هذه الدعوة يعود إلى استكمال مشهد البعث الذي أكده لهم أوثق توكيد: «يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ:ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ» ..

فأما أنه يوم الجمع فلأن جميع الخلائق في جميع الأجيال تبعث فيه،كما يحضره الملائكة وعددهم لا يعلمه إلا اللّه.ولكن قد يقربه إلى التصور ما جاء في حديث رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - عَنْ أَبِي ذَرٍّ،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ:إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ،وَأَسْمَعُ مَا لاَ تَسْمَعُونَ،أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ،مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلاَّ عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ .لَوْ عَلِمْتُمْ مَا أَعْلَمُ،لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا،وَلاَ تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشَاتِ،وَلَخَرَجْتُمْ عَلَى،أَوْ إِلَى،الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ. [1]

والسماء التي ليس فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك.هي هذا الاتساع الهائل الذي لا يعرف له البشر حدودا.والذي تبدو فيه شمس كشمسنا ذرة كالهباءة الطائرة في الفضاء! فهل هذا يقرب شيئا للتصور البشري عن عدد الملائكة؟ إنهم من بين الجمع في يوم الجمع!

وفي مشهد من هذا الجمع يكون التغابن! والتغابن مفاعلة من الغبن.وهو تصوير لما يقع من فوز المؤمنين بالنعيم وحرمان الكافرين من كل شيء منه ثم صيرورتهم إلى الجحيم.فهما نصيبان متباعدان.وكأنما كان هناك سباق للفوز بكل شيء، وليغبن كل فريق مسابقه! ففاز فيه المؤمنون وهزم فيه الكافرون! فهو تغابن بهذا المعنى المصور المتحرك! يفسره ما بعده: «وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا.ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» ..

وقبل أن يكمل نداءه إليهم بالإيمان يقرر قاعدة من قواعد التصور الإيماني في القدر،وفي أثر الإيمان باللّه في هداية القلب: «ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ.وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ،وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» ..

ولعل مناسبة ذكر هذه الحقيقة هنا هي مجرد بيانها في صدد عرض حقيقة الإيمان الذي دعاهم إليه في هذا المقطع.فهو الإيمان الذي يرد كل شيء إلى اللّه،ويعتقد أن كل ما يصيب من خير ومن شر فهو بإذن اللّه.وهي حقيقة لا يكون إيمان بغيرها.فهي أساس جميع المشاعر الإيمانية عند مواجهة الحياة

(1) - مسند أحمد (عالم الكتب) [7 /211] (21516) 21848 حسن

أطت:الأطيط صوت الرحل والإبل من ثقل أحمالها والمراد كثرة الملائكة =تجأرون:ترفعون أصواتكم بالاستغاثة =الصعدات:جمع صعد وهى الطرقات =تعضد:تقطع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت