ديوم،والكلور،والمغنسيوم،والحديد،والمنجنيز،والنحاس،واليود،والفلورين،والكوبالت،والزنك،والسلكون،والألمنيوم.وهذه نفسها هي العناصر المكونة للتراب.وإن اختلفت نسبها في إنسان عن الآخر،وفي الإنسان عن التراب.إلا أن أصنافها واحدة » [1] .
إلا أن هذا الذي أثبته العلم لا يجوز أن يؤخذ على أنه التفسير الحتمي للنص القرآني.فقد تكون الحقيقة القرآنية تعني هذا الذي أثبته العلم،أو تعني شيئا آخر سواه.وتقصد إلى صورة أخرى من الصور الكثيرة التي يتحقق بها معنى خلق الإنسان من تراب،أو طين أو صلصال.
والذي ننبه إليه بشدة هو ضرورة عدم قصر النص القرآني على كشف علمي بشري،قابل للخطأ والصواب،وقابل للتعديل والتبديل،كلما اتسعت معارف الإنسان وكثرت وتحسنت وسائله للمعرفة.فإن بعض المخلصين من الباحثين يسارعون إلى المطابقة بين مدلول النصوص القرآنية والكشوف العلمية - تجريبية أو افتراضية - بنية بيان ما في القرآن من إعجاز.فالقرآن معجز سواء طابقت الكشوف العلمية المتأرجحة نصوصه الثابتة أم لم تطابقها.ونصوصه أوسع مدلولا من حصرها في نطاق تلك الكشوف القابلة دائما للتبديل والتعديل،بل للخطأ والصواب من الأساس! وكل ما يستفاد من الكشوف العلمية في تفسير نصوص القرآن،هو توسيع مدلولها في تصورنا كلما أطلعنا العلم على شيء مما تشير إليه إشارات مجملة من آيات اللّه في الأنفس والآفاق،دون أن يحمل النص القرآني على أن مدلوله هو هذا الذي كشفه العلم.إنما جواز أن يكون هذا بعض ما يشير إليه.
فأما خلق الجان من مارج من نار.فمسألة خارجة عن حدود العلوم البشرية.والمصدر الواحد فيها هو هذا القرآن.خبر اللّه الصادق.الذي خلق وهو أعلم بمن خلق ..والمارج:المشتعل المتحرك كألسنة النار مع الرياح! وللجان قدرة على الحياة في هذه الأرض مع الإنس.ولكنا لا ندري كيف يعيش الجان وقبيله.فأما الأمر المستيقن فهو أنهم مخاطبون بهذا القرآن كما سبق بيانه عند تفسير قوله تعالى: «وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ..» وكما هو الحال هنا في سورة الرحمن.
والخطاب هنا للجن والإنس،لتذكيرهما بنعمة الوجود.كلّ من الأصل الذي أنشأه اللّه منه.وهي النعمة التي تقوم عليها سائر النعم.ومن ثم يعقب عليها بتعقيب التسجيل والإشهاد العام: «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ؟» ..
ولا تكذيب في هذا المقام المشهود!
(1) - كتاب:اللّه والعلم الحديث ص 180. ( السيد رحمه الله )