ينطوي،فإذا هم أموات فالدهر إذن هو الذي ينهي آجالهم،ويلحق بأجسامهم الموت فيموتون! وهي نظرة سطحية لا تتجاوز المظاهر،ولا تبحث عما وراءها من أسرار.وإلا فمن أين جاءت إليهم الحياة وإذا جاءت فمن ذا يذهب بها عنهم؟ والموت لا ينال الأجسام وفق نظام محدد وعدد من الأيام معين،حتى يظنوا أن مرور الأيام هو الذي يسلبهم الحياة.فالأطفال يموتون كالشيوخ والأصحاء يموتون كالمرضى.والأقوياء يموتون كالضعاف.ولا يصلح الدهر إذن تفسيرا للموت عند من ينظر إلى الأمر نظرة فاحصة،ويحاول أن يعرف،وأن يدرك حقيقة الأسباب.
لهذا يقول اللّه عنهم بحق: «وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ.إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ» :يظنون ظنا غامضا واهيا،لا يقوم على تدبر،ولا يستند إلى علم،ولا يدل على إدراك لحقائق الأمور.ولا ينظرون إلى ما وراء ظاهرتي الحياة والموت من سر يشهد بإرادة أخرى غير إرادة الإنسان،وبسبب آخر غير مرور الأيام.
«وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ،ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا:ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» ..
وهذه كتلك تدل على نظرة سطحية لا تدرك نواميس الخلق،وحكمة اللّه فيها،وسر الحياة والموت الكامن وراءهما،المتعلق بتلك الحكمة الإلهية العميقة.فالناس يحيون في هذه الأرض ليعطوا فرصة للعمل وليبتليهم اللّه فيما مكنهم فيه.ثم يموتون حتى يحين موعد الحساب الذي أجله اللّه،فيحاسبوا على ما عملوا،وتتبين نتيجة الابتلاء في فترة الحياة.ومن ثم فهم لا يعودون إذا ماتوا.فليست هنالك حكمة تقتضي عودتهم قبل اليوم المعلوم.وهم لا يعودون لأن فريقا من البشر يقترحون هذا.فاقتراحات البشر لا تتغير من أجلها النواميس الكبرى التي قام على أساسها الوجود! ومن ثم فلا مجال لهذا الاقتراح الساذج الذي كانوا يواجهون به الآيات البينات: «ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» !
ولما ذا يأتي اللّه بآبائهم قبل الموعد الذي قدره وفق حكمته العليا؟ ألكي يقتنعوا بقدرة اللّه على إحياء الموتى؟ يا عجبا! أليس اللّه ينشئ الحياة أمام أعينهم إنشاء في كل لحظة،وفق سنة إنشاء الحياة؟
«قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ،ثُمَّ يُمِيتُكُمْ،ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ» ..هذه هي المعجزة التي يريدون أن يشهدوها في آبائهم.ها هي ذي تقع أمام أعينهم.بعينها وبذاتها.واللّه هو الذي يحيي.ثم هو الذي يميت.فلا عجب إذن في أن يحيي الناس ويجمعهم إلى يوم القيامة،ولا سبب يدعو إلى الريب في هذا الأمر،الذي يشهدون نظائره فيما بين أيديهم: «وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» ..
ويعقب على هذه الحقيقة الماثلة بالأصل الكلي الذي ترجع إليه: «وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» ..
فهو المهيمن على كل ما في الملك.وهو صانع كل شيء فيه.وهو القادر على الإنشاء والإعادة لكل ما فيه وكل من فيه.