الضمير.ثم يظهر فيشمل عالم الحقيقة والواقع والشهود.ولا بد من مواجهة الشر المسلح بالخير المسلح.ولا بد من لقاء الباطل المتترس بالعدد بالحق المتوشح بالعدة ..وإلا كان الأمر انتحارا.أو كان هزلا لا يليق بالمؤمنين! ولا بد من بذل الأموال والأنفس.كما طلب اللّه من المؤمنين.وكما اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ..فأما أن يقدر لهم الغلب أو يقدر لهم الاستشهاد فذلك شأنه - سبحانه - وذلك قدره المصحوب بحكمته ..أما هم فلهم إحدى الحسنيين عند ربهم ..والناس كلهم يموتون عند ما يحين الأجل ..والشهداء وحدهم هم الذين يستشهدون ..
هناك نقط ارتكاز أصيلة في هذه العقيدة،وفي منهجها الواقعي،وفي خط سيرها المرسوم،وفي طبيعة هذا الخط وحتمياته الفطرية،التي لا علاقة لها بتغير الظروف.
وهذه النقط لا يجوز أن تتميع في حس المؤمنين - تحت أي ظرف من الظروف.ومن هذه النقط ..الجهاد ..الذي يتحدث عنه اللّه سبحانه هذا الحديث ..الجهاد في سبيل اللّه وحده.وتحت رايته وحدها ..وهذا هو الجهاد الذي يسمى من يقتلون فيه «شهداء» ويتلقاهم الملأ الأعلى بالتكريم ..
بعد ذلك يتحدث عن فريق من القاعدين أولئك الذين يظلون قاعدين في دار الكفر لا يهاجرون تمسك بهم أموالهم ومصالحهم،أو يمسك بهم ضعفهم عن مواجهة متاعب الهجرة وآلام الطريق - وهم قادرون لو أرادوا واعتزموا التضحية - أن يهاجروا ..حتى يحين أجلهم وتأتي الملائكة لتتوفاهم.يتحدث عنهم فيصورهم صورة زرية منكرة تستنهض كل قاعد منهم للفرار بدينه وعقيدته،وبمصيره عند ربه من هذا الموقف الذي يرسمه لهم: «إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ ..قالُوا:فِيمَ كُنْتُمْ؟ قالُوا:كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ.قالُوا:أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها؟ فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ،وَساءَتْ مَصِيرًا.إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ،لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً،وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا.فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ،وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا» ..
لقد كان هذا النص يواجه حالة واقعة في الجزيرة العربية - في مكة وغيرها - بعد هجرة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وقيام الدولة المسلمة.فقد كان هناك مسلمون لم يهاجروا.حبستهم أموالهم ومصالحهم - حيث لم يكن المشركون يدعون مهاجرا يحمل معه شيئا من ماله - أو حبسهم إشفاقهم وخوفهم من مشاق الهجرة - حيث لم يكن المشركون يدعون مسلما يهاجر حتى يمنعوه ويرصدوا له في الطريق ..وجماعة حبسهم عجزهم الحقيقي،من الشيوخ والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة للهرب ولا يجدون سبيلا للهجرة ..
وقد اشتد أذى المشركين لهؤلاء الباقين من أفراد المسلمين بعد عجزهم عن إدراك الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه،ومنعهما من الهجرة.وبعد قيام الدولة المسلمة.وبعد تعرض الدولة المسلمة لتجارة قريش في