فهرس الكتاب
فاندس في تصورات أهله - اقتباسا مما حولهم - أنه لا بد لهم من قوة قاهرة لحفظ التوازن! هذه المقررات تشهد - على الأقل - بقلة ملابسة طبيعة الإسلام الأصيلة لنفوس هؤلاء القائلين بهذه التكهنات والظنون.
لو كان الجهاد ملابسة طارئة في حياة الأمة المسلمة ما استغرق كل هذه الفصول من صلب كتاب اللّه في مثل هذا الأسلوب! ولما استغرق كذلك كل هذه الفصول من سنة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وفي مثل هذا الأسلوب ..
لو كان الجهاد ملابسة طارئة ما قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - تلك الكلمة الشاملة لكل مسلم إلى قيام الساعة،فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ » [1] . .
ولئن كان - صلى الله عليه وسلم - رد في حالات فردية بعض المجاهدين،لظروف عائلية لهم خاصة،كالذي جاء في الصحيح عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو،قَالَ:جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فقَالَ:يَا رَسُولَ اللهِ أُجَاهِدُ ؟ فقَالَ:لَكَ أَبَوَانِ ؟ قَالَ:نَعَمْ،قَالَ:فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ." [2] ..لئن كان ذلك فإنما هي حالة فردية لا تنقض القاعدة العامة وفرد واحد لا ينقص المجاهدين الكثيرين.ولعله - صلى الله عليه وسلم - على عادته في معرفة كل ظروف جنوده فردا فردا،كان يعلم من حال هذا الرجل وأبويه،ما جعله يوجهه هذا التوجيه .."
لا بد من الجهاد في سبيل الله
فلا يقولن أحد - بسبب ذلك - إنما كان الجهاد ملابسة طارئة بسبب ظروف.وقد تغيرت هذه الظروف! وليس ذلك لأن الإسلام يجب أن يشهر سيفه ويمشي به في الطريق يقطع به الرؤوس! ولكن لأن واقع حياة الناس وطبيعة طريق الدعوة تلزمه أن يمسك بهذا السيف ويأخذ حذره في كل حين! إن اللّه - سبحانه - يعلم أن هذا أمر تكرهه الملوك!
ويعلم أن لا بد لأصحاب السلطان أن يقاوموه.لأنه طريق غير طريقهم،ومنهج غير منهجهم.ليس بالأمس فقط.ولكن اليوم وغدا.وفي كل أرض،وفي كل جيل!
وإن اللّه - سبحانه - يعلم أن الشر متبجح،ولا يمكن أن يكون منصفا.ولا يمكن أن يدع الخير ينمو - مهما يسلك هذا الخير من طرق سلمية موادعة! - فإن مجرد نمو الخير يحمل الخطورة على الشر.ومجرد وجود الحق يحمل الخطر على الباطل.ولا بد أن يجنح الشر إلى العدوان ولا بد أن يدافع الباطل عن نفسه بمحاولة قتل الحق وخنقه بالقوة! هذه جبلة! وليست ملابسة وقتية ...هذه فطرة! وليست حالة طارئة ...ومن ثم لا بد من الجهاد ..لا بد منه في كل صورة ..ولا بد أن يبدأ في عالم
(1) - صحيح مسلم- المكنز - (5040 )
(2) - صحيح البخارى- المكنز - (5972) وصحيح ابن حبان - (2 / 164) (420)