فهل يحتاج أمر أولئك المخلوقين مما يعلمون إلى قسم برب المشارق والمغارب،على أنه - سبحانه - قادر على أن يخلق خيرا منهم،وأنهم لا يسبقونه ولا يفوتونه ولا يهربون من مصيرهم المحتوم؟!.
وعند ما يبلغ السياق هذا المقطع،بعد تصوير هول العذاب في ذلك اليوم المشهود وكرامة النعيم للمؤمنين،وهو ان شأن الكافرين.يتجه بالخطاب إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ليدعهم لذلك اليوم ولذلك العذاب،ويرسم مشهدهم فيه،وهو مشهد مكروب ذليل: «فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ.يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعًا كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ،خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ،ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ» ..
وفي هذا الخطاب من تهوين شأنهم،ومن التهديد لهم،ما يثير الخوف والترقب.وفي مشهدهم وهيئتهم وحركتهم في ذلك اليوم ما يثير الفزع والتخوف.كما أن في التعبير من التهكم والسخرية ما يناسب اعتزازهم بأنفسهم واغترارهم بمكانتهم ..فهؤلاء الخارجون من القبور يسرعون الخطى كأنما هم ذاهبون إلى نصب يعبدونه ..وفي هذا التهكم تناسق مع حالهم في الدنيا.لقد كانوا يسارعون إلى الأنصاب في الأعياد ويتجمعون حولها.فهاهم أولاء يسارعون اليوم،ولكن شتان بين يوم ويوم! ثم تتم سماتهم بقوله: «خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ» فنلمح من خلال الكلمات سيماهم كاملة،وترتسم لنا من قسماتهم صورة واضحة.صورة ذليلة عانية ..لقد كانوا يخوضون ويلعبون فهم اليوم أذلاء مرهقون .. «ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ» .فكانوا يستريبون فيه ويكذبون ويستعجلون!
بهذا يلتئم المطلع والختام،وتم هذه الحلقة من حلقات العلاج الطويل لقضية البعث والجزاء،وتنتهي هذه الجولة من جولات المعركة الطويلة بين التصور الجاهلي والتصور الإسلامي للحياة.