هكذا هم يقسمون: «وَرَبِّنا» ..ربهم الذي كانوا لا يستجيبون لداعيه،ولا يستمعون لنبيه ولا يعترفون له بربوبية.ثم هم اليوم يقسمون به على الحق الذي أنكروه! عندئذ يبلغ السؤال غاية من الترذيل والتقريع،ويقضى الأمر،وينتهي الحوار: «قالَ:فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ» ..
«كلمة ورد غطاها» ..كما يقال! الجريمة ظاهرة.الجاني معترف.فإلى الجحيم!
وسرعة المشهد هنا مقصودة.فالمواجهة حاسمة،ولا مجال لأخذ ولا رد.لقد كانوا ينكرون.
فالآن يعترفون.والآن يذوقون!
وعلى هذا المشهد الحاسم في مصير الذين كفروا،وعلى مشهد الإيمان من أبناء عالم آخر.وفي ختام السورة التي عرضت مقولات الكافرين عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعن القرآن الكريم ..يجيء الإيقاع الأخير.توجيها للرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يصبر عليهم،ولا يستعجل لهم،فقد رأى ما ينتظرهم،وهو منهم قريب: «فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ،وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ،كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ.بَلاغٌ.فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ» ..وكل كلمة في الآية ذات رصيد ضخم وكل عبارة وراءها عالم من الصور والظلال،والمعاني والإيحاءات،والقضايا والقيم.
«فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ.وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ» ..
توجيه يقال لمحمد - صلى الله عليه وسلم - وهو الذي احتمل ما احتمل،وعانى من قومه ما عانى.وهو الذي نشأ يتيما،وجرد من الولي والحامي ومن كل أسباب الأرض واحدا بعد واحد.الأب.والأم.والجد.والعم.والزوج الوفية الحنون.وخلص للّه ولدعوته مجردا من كل شاغل.كما هو مجرد من كل سند أو ظهير.
وهو الذي لقي من أقار به من المشركين أشد مما لاقى من الأبعدين.وهو الذي خرج مرة ومرة ومرة يستنصر القبائل والأفراد فرد في كل مرة بلا نصرة.وفي بعض المرات باستهزاء السفهاء ورجمهم له بالحجارة حتى تدمى قدماه الطاهرتان،فما يزيد على أن يتوجه إلى ربه بذلك الابتهال الخاشع النبيل.
وبعد ذلك كله يحتاج إلى توجيه ربه: «فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ» .
ألا إنه لطريق شاق طريق هذه الدعوة.وطريق مرير.حتى لتحتاج نفس كنفس محمد - صلى الله عليه وسلم - في تجردها وانقطاعها للدعوة،وفي ثباتها وصلابتها،وفي صفائها وشفافيتها.تحتاج إلى التوجيه الرباني بالصبر وعدم الاستعجال على خصوم الدعوة المتعنتين.
نعم.وإن مشقة هذا الطريق لتحتاج إلى مواساة،وإن صعوبته لتحتاج إلى صبر.وإن مرارته لتحتاج إلى جرعة حلوة من رحيق العطف الإلهي المختوم.
«فَاصْبِرْ.كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ» ..تشجيع وتصبير وتأسية وتسلية ..ثم تطمين: «كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ» ..