ينكر ويدعي ذلك الادعاء العريض على رسل اللّه الصادقين يقول: «ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيء:إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ» ! «فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحابِ السَّعِيرِ» ..
والسحق البعد.وهو دعاء عليهم من اللّه بعد اعتراف هم بذنبهم في الموقف الذي لم يؤمنوا به ولم يصدقوا بوقوعه.
والدعاء من اللّه قضاء.فهم مبعدون من رحمته.لا رجاء لهم في مغفرة،ولا إقالة لهم من عذاب.وهم أصحاب السعير الملازمون له.ويا لها من صحبة! ويا له من مصير! وهذا العذاب،عذاب السعير،في جهنم التي تشهق بأنفاسها وهي تفور،عذاب شديد مروع حقا.واللّه لا يظلم أحدا.ونحسب - واللّه أعلم - أن النفس التي تكفر بربها - وقد أودع فطرتها حقيقة الإيمان ودليله - هي
نفس فرغت من كل خير.كما فرغت من كل صفة تجعل لها اعتبارا في الوجود،فهي كالحجر الذي توقد به جهنم.وقد انتهت إلى نكسة وارتكاس مكانها هذه النار،إلى غير نجاة منها ولا فرار! والنفس التي تكفر باللّه في الأرض تظل تنتكس وترتكس في كل يوم تعيشه،حتى تنتهي إلى صورة بشعة مسيخة شنيعة،صورة منكرة جهنمية نكيرة.صورة لا يماثلها شيء في هذا الكون في بشاعتها ومسخها وشناعتها.
فكل شيء روحه مؤمنة،وكل شيء يسبح بحمد ربه،وكل شيء فيه هذا الخير،وفيه هذه الوشيجة التي تشده إلى محور الوجود ..ما عدا هذه النفوس الشاردة المفلتة من أواصر الوجود،الآبدة الشريرة،الجاسية الممسوخة النفور.فأي مكان في الوجود كله تنتهي إليه،وهي مبتوتة الصلة بكل شيء في الوجود؟ إنها تنتهي إلى جهنم المتغيظة المتلمظة،الحارقة،المهدرة لكل معنى ولكل حق ولكل كرامة بعد أن لم يعد لتلك النفوس معنى ولا حق ولا كرامة!
والمألوف في سياق القرآن أن يعرض صفحتين متقابلتين في مشاهد القيامة.فهو يعرض هنا صفحة المؤمنين في مقابل صفحة الكافرين،تتمة لمدلول الآية الثانية في السورة: «لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» ..بذكر الجزاء بعد ذكر الابتلاء: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12) } [الملك:12]
والغيب المشار إليه هنا يشمل خشيتهم لربهم الذي لم يروه،كما يشمل خشيتهم لربهم وهم في خفية عن الأعين،وكلاهما معنى كبير،وشعور نظيف،وإدراك بصير.يؤهل لهذا الجزاء العظيم الذي يذكره السياق في إجمال:وهو المغفرة والتكفير،والأجر الكبير.
ووصل القلب باللّه في السر والخفية،وبالغيب الذي لا تطلع عليه العيون،هو ميزان الحساسية في القلب البشري وضمانة الحياة للضمير ..روى الحافظ أبو بكر البزار في مسنده عَنْ أَنَسٍ، قَالَ:قَالُوا:يَا رَسُولَ اللهِ نَكُونُ عِنْدَكَ عَلَى الْحَالِ، فَإِذَا فَارَقْنَاكَ كُنَّا عَلَى غَيْرِهَا، فَنَخَافُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ نِفَاقًا قَالَ:"كَيْفَ"