فهرس الكتاب

الصفحة 4131 من 4997

الدرس الأول:1 - 5 توجيه المسلمين إلى الأدب مع الرسول عليه السلام:غض الصوت وعدم التقدم عليه وعدم مناداته بجلافة

تبدأ السورة بأول نداء حبيب،وأول استجاشة للقلوب. «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» ..نداء من اللّه للذين آمنوا به بالغيب.واستجاشة لقلوبهم بالصفة التي تربطهم به،وتشعرهم بأنهم له،وأنهم يحملون شارته،وأنهم في هذا الكوكب عبيده وجنوده،وأنهم هنا لأمر يقدره ويريده،وأنه حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم اختيارا لهم ومنة عليهم،فأولى لهم أن يقفوا حيث أراد لهم أن يكونوا،وأن يقفوا بين يدي اللّه موقف المنتظر لقضائه وتوجيهه في نفسه وفي غيره،يفعل ما يؤمر ويرضى بما يقسم،ويسلم ويستسلم: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ،وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» ..

يا أيها الذين آمنوا،لا تقترحوا على اللّه ورسوله اقتراحا،لا في خاصة أنفسكم،ولا في أمور الحياة من حولكم.ولا تقولوا في أمر قبل قول اللّه فيه على لسان رسوله،ولا تقضوا في أمر لا ترجعون فيه إلى قول اللّه وقول رسوله.

قال قتادة:ذكر لنا أن ناسا كانوا يقولون:لو أنزل في كذا وكذا.لو صح كذا.فكره اللّه تعالى ذلك.

وقال العوفي:نهوا أن يتكلموا بين يديه.وقال مجاهد:لا تفتاتوا على رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بشيء حتى يقضي اللّه تعالى على لسانه.وقال الضحاك:لا تقضوا أمرا دون اللّه ورسوله من شرائع دينكم.وقال علي بن طلحة عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما:لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة [1] .

فهو أدب نفسي مع اللّه ورسوله.وهو منهج في التلقي والتنفيذ.وهو أصل من أصول التشريع والعمل في الوقت ذاته ..وهو منبثق من تقوى اللّه،وراجع إليها.هذه التقوى النابعة من الشعور بأن اللّه سميع عليم ..وكل ذلك في آية واحدة قصيرة،تلمس وتصور كل هذه الحقائق الأصيلة الكبيرة.

وكذلك تأدب المؤمنون مع ربهم ومع رسولهم فما عاد مقترح منهم يقترح على اللّه ورسوله وما عاد واحد منهم يدلي برأي لم يطلب منه رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن يدلي به وما عاد أحد منهم يقضي برأيه في أمر أو حكم،إلا أن يرجع قبل ذلك إلى قول اللّه وقول الرسول ..

روى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه فعَنْ مُعَاذٍ:أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ،فَقَالَ:كَيْفَ تَصْنَعُ إِنْ عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ ؟ قَالَ:أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللهِ .قَالَ:فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللهِ ؟ قَالَ:فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - .قَالَ:فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ؟ قَالَ:أَجْتَهِدُ رَأْيِي [2] ،لاَ

(1) - الدر المنثور للسيوطي -موافق للمطبوع [13 /526]

(2) - أجتهد رأيي:الاجتهاد:بذل الوسع في طلب الأمر،والمراد به ها هنا:رد القضية التي تعرض للحاكم من طريق القياس إلى الكتاب والسنة،ولم يرد الرأي يعرض له من قبل نفسه من غير أصل كتاب ولا سنة،وفي هذا الحديث إثبات القياس على منكريه،وإيجاب الحكم به..جامع الأصول في أحاديث الرسول [10 /177]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت